كشف وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، خلال تعقيبه على شكوى مواطن من انسداد ترعة الهجارسة وتضرر 2000 فدان، عن تحميل الأهالي مسؤولية التلوث، لتنتهي المواجهة بإعفاء الوزارة من أي تقصير ميداني.
ويفضح هذا الرد فجوة سياسية وإنسانية بين سلطة تملك أجهزة الرقابة والتنفيذ، ومواطنين يعيشون في قرى محرومة من خدمات جمع المخلفات، ثم يجري اتهامهم وحدهم بصناعة أزمة تهدد الزراعة والصحة ومصادر المياه.
اللوم بدل التطهير
وبداية الأزمة جاءت من شكوى مباشرة تحدثت عن انسداد الترعة بالقمامة والمخلفات، وما ترتب عليه من تعطل وصول المياه إلى الأراضي، بينما اختار الوزير الرد بالتوبيخ بدلا من إعلان خطة عاجلة للتطهير والمحاسبة.
وفي المقابل يرى الأهالي أن الترعة لم تصل إلى هذا الوضع بسبب مخالفة فردية عابرة، بل نتيجة تراكم طويل للمخلفات، وغياب الرقابة، وتأخر التطهير، وترك المجاري المائية مكشوفة أمام الإلقاء العشوائي.
ومن ناحية أخرى تكشف صور الترع والمصارف في قرى عديدة عن مشهد يتجاوز أكياس القمامة، ليشمل حيوانات نافقة ومخلفات زراعية وصلبة، بما يحول مجاري الري إلى بؤر تلوث تهدد الإنسان والمحصول معا.
وبالتالي لا يمكن اختزال الأزمة في سلوك المواطن، لأن الوزارة تمتلك مهندسين ومفتشين وصلاحيات ضبطية قضائية، كما تملك خرائط الترع وبرامج التطهير، ما يجعل غياب التدخل المبكر تقصيرا مؤسسيا لا يمكن إنكاره.
كما أن المنشورات الوزارية التي تمنح بعض مسؤولي الري سلطة تحرير المحاضر لا تكفي وحدها، طالما تظل حملات التفتيش موسمية، وتغيب عنها الشفافية، ولا يعرف المواطن عدد المخالفات أو نتائج العقوبات المعلنة.
وفوق ذلك ينص القانون على عقوبات قد تبدأ بغرامات تبلغ 50 ألف جنيه، وقد تصل إلى الحبس، لكن استمرار التلوث يكشف أن الردع الورقي لم يتحول إلى ممارسة يومية قادرة على منع الجريمة البيئية.
ولزيادة وضوح المسؤولية، فإن حماية المجاري المائية ليست مهمة هامشية داخل الوزارة، بل جوهر اختصاصها، لأن أي انسداد أو تلوث يضرب كفاءة الري، ويهدد الأراضي، ويرفع تكلفة المعالجة، ويعرض القرى لمخاطر صحية.
ومع ذلك جاء الرد الرسمي أقرب إلى محاكمة المواطن منه إلى مساءلة الأجهزة المحلية، إذ تجاهل السؤال الأهم حول عدد مرات تطهير الترعة، وآخر حملة تفتيش، والجهة التي سمحت بتراكم المخلفات حتى انسداد المجرى.
قوانين بلا تنفيذ
ومن ثم تتحول لغة اللوم إلى غطاء مريح لتقاعس إداري ممتد، لأن تحميل الأهالي المسؤولية بالكامل يعفي الوزارة والمحليات والبيئة والطب البيطري من واجبات متداخلة، ويترك الأزمة بلا قائد تنفيذي أو جدول زمني.
غير أن القوانين القائمة بالفعل تجرم إلقاء المخلفات في المجاري المائية، وفي مقدمتها قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، وقانون حماية نهر النيل والمجاري المائية من التلوث رقم 48 لسنة 1982.
وعلاوة على ذلك فإن وجود النصوص لا يمنع استمرار الانتهاكات، لأن الدولة لا تنشر بيانات تفصيلية عن المحاضر والمخالفين، ولا تعلن خرائط نقاط التخلص الآمن، ولا تتيح للمواطن متابعة البلاغ حتى إغلاقه.
وبناء على ذلك تصبح هيبة القانون مرتبطة بقدرة المؤسسات على تنفيذه، لا بكثرة العقوبات المكتوبة، فالمخالفة التي تتكرر أمام أعين الأجهزة دون تدخل تكشف ضعفا في الرقابة أكثر مما تكشف جهلا بالنصوص.
وفي السياق نفسه تفتقر قرى كثيرة إلى صناديق تجميع منتظمة، ونقاط وسيطة، وسيارات نقل كافية، ومواقع معالجة معتمدة، وهو ما يدفع بعض السكان إلى حلول عشوائية، من دون أن يبرر ذلك التخلي عن المحاسبة.
كذلك تغيب في مناطق عديدة آلية سريعة للتعامل مع الحيوانات النافقة، رغم خطورتها على المياه والصحة العامة، فتظل الجثث ساعات أو أياما قرب الترع، قبل أن تتحول إلى مصدر عدوى وروائح وتلوث واسع.
ولهذا طالب نواب بإلزام المحافظات بإنشاء منظومة متكاملة تشمل نقاط تجميع داخل المراكز والقرى، ووسائل نقل آمنة، ومواقع تخلص معتمدة، وخطوطا ساخنة، ومددا زمنية ملزمة للاستجابة السريعة إلى البلاغات العاجلة.
وبالتوازي مع ذلك يجب تحديد المسؤولية التنفيذية للوحدات المحلية ومديريات الطب البيطري وأجهزة البيئة والري، لأن تداخل الاختصاصات يتحول عمليا إلى فراغ إداري، وتلقي كل جهة بالعبء كاملا على الجهة الأخرى.
ومن جانب آخر فإن تضرر 2000 فدان ليس رقما عابرا، بل إنذار بخسائر مباشرة في المحاصيل ودخول المزارعين، وقد يقود استمرار الانسداد إلى بوار الأرض وارتفاع تكاليف الري البديل وتراجع الإنتاج المحلي.
القرى تدفع الثمن
وفي ضوء ذلك يصبح رد الوزير أكثر قسوة على المتضررين، لأن الفلاح الذي يفقد المياه لا يحتاج محاضرة أخلاقية، بل يحتاج فتح المجرى، وتحديد المخالف، ومحاسبة المقصر، وضمان عدم تكرار الانسداد.
ومقابل هذا الواقع لا تزال الوزارة تعتمد على بيانات عامة عن حملات التطهير، من دون نشر جداول دورية لكل ترعة، أو تحديد ما أنجز فعليا، أو إتاحة صور موثقة قبل العمل وبعده، بما يمنع التحقق المستقل.
وبصورة أوسع تكشف أزمة الهجارسة نمطا متكررا في إدارة الخدمات، حيث تتجه الحكومة إلى لوم المواطنين عند الفشل، بينما تتعامل مع غياب التخطيط والرقابة باعتباره تفصيلا ثانويا لا يستحق المساءلة العلنية.
وعند هذه النقطة تبرز الحاجة إلى نشر نتائج حملات التفتيش، وعدد المحاضر، وقيمة الغرامات، وأماكن المعالجة المعتمدة، وخطط سد العجز، حتى يعرف الرأي العام إن كانت القوانين تطبق فعلا أم تستخدم للدعاية.
وفي النهاية لا يعفي السلوك الفردي الخاطئ الدولة من مسؤوليتها، بل يضاعف واجبها في توفير البديل والرقابة والعقوبة، لأن ترك القمامة تتراكم ثم توبيخ المتضررين ليس إدارة للمياه بل إدارة للأزمة بالإنكار.
وخلاصة المشهد أن حماية الترع تحتاج حضورا يوميا لا تصريحات غاضبة، وتعاونا مؤسسيا لا تبادلا للاتهامات، وشفافية تكشف المقصر أيا كان، سواء كان مواطنا مخالفا أو مسؤولا حكوميا أهمل واجبه.
وأمام هذا كله يبقى المطلوب تحقيقا معلنا في أسباب انسداد ترعة الهجارسة، وجدولا زمنيا للتطهير، وتعويضا عادلا للمتضررين، ونظاما دائما للمراقبة والمحاسبة، بدلا من تحويل الشكوى إلى مناسبة لإدانة أصحابها.
وأخيرا فإن اختبار الحكومة الحقيقي ليس في رفع شعار حماية المياه، بل في منع تكرار الكارثة، وتنفيذ القانون على الجميع، وإثبات أن الفلاح المصري لن يترك وحيدا بين ترعة مسدودة ومسؤول يتنصل من المسؤولية.

