يتراكم النجاح في اللحظات التي يستسلم فيها معظم الآخرين، ويكشف علم النفس أن القدرة على تحمل الملل وتأجيل الإشباع قد تكونان من أقوى العوامل التي تقود إلى النجاح على المدى الطويل.
يرى عالم النفس الأمريكي مارك ترافرز، الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كورنيل وجامعة كولورادو بولدر، أن النجاح لا يرتبط دائماً بالموهبة أو الذكاء أو حتى قوة الدافع، بل قد يعتمد بدرجة أكبر على عادات «عنيدة» يلتزم بها الإنسان في الأوقات التي تتراجع فيها حماسته ويصبح التقدم بطيئاً ومملاً.
ووفقاً لما نشره موقع سايكولوجي توداي، تشير مجموعة من الأبحاث النفسية إلى أن العادات الأكثر ارتباطاً بالنجاح طويل الأمد ليست بالضرورة العادات اللامعة أو المثيرة، وإنما السلوكيات التي يواصل الإنسان ممارستها عندما يفقد العمل بريقه، ويصبح الاستمرار أكثر صعوبة من التوقف.
تحمل الملل والاستمرار عندما يفقد العمل بريقه
يعتقد كثيرون أن الشغف والطموح والموهبة هي ما يميز الأشخاص الأكثر نجاحاً، لكن علماء النفس يقدمون إجابة أقل إلهاماً وأكثر واقعية: القدرة على مواصلة العمل رغم الملل.
قدمت سلسلة بارزة من ست دراسات نشرت عام 2007 في «مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» مفهوم «المثابرة» أو Grit، الذي يُعرّف بأنه الإصرار والشغف بتحقيق الأهداف طويلة المدى.
وأظهرت الدراسات، التي شملت طلاباً من جامعات النخبة الأمريكية، وطلاب أكاديمية ويست بوينت العسكرية، ومشاركين في مسابقة التهجئة الوطنية، أن المثابرة تنبأت بمستويات الإنجاز بدرجة تتجاوز تأثير معدل الذكاء والموهبة.
ولم تكمن المفاجأة في أن الأشخاص المثابرين أكثر موهبة، بل في أنهم أكثر استعداداً لمواصلة الظهور والعمل، خصوصاً بعدما يفقد الشيء الذي يفعلونه عنصر الإثارة والحماس.
ويرتبط ذلك بما يسميه علماء النفس تحمل الضيق النفسي، أي القدرة على البقاء مع المشاعر غير المريحة، ومنها الملل، دون الهروب منها بصورة تلقائية.
وأظهرت دراسة نشرت عام 2022 في مجلة «العقل والدماغ والتعليم» أن تحمل الضيق يمثل مهارة أكاديمية مهمة، لأن اكتساب الخبرة الحقيقية يتطلب غالباً فترات طويلة من العمل الذي لا يقدم مكافأة فورية أو شعوراً مستمراً بالإثارة.
ويتفوق الطلاب الذين يتعلمون تحمل هذه الفترات على غيرهم، حتى عندما تتقارب قدراتهم العقلية الأساسية.
وتبدو النتيجة هنا عكس المتوقع: الأشخاص الأكثر إنتاجية ليسوا بالضرورة الأكثر تحفيزاً، بل قد يكونون ببساطة أفضل في تحمل الملل.
وفي عالم رقمي صُمم جزء كبير منه لجذب الانتباه وتشتيته، تتسع الفجوة بين الأشخاص القادرين على التركيز في المهام المملة، وأولئك الذين يتخلون عنها سريعاً.
ففي كل مرة يترك فيها شخص مشروعاً لأنه لم يعد مثيراً للاهتمام، يمنح فرصة أكبر لمن يواصل العمل رغم فقدان الحماس.
وينطبق ذلك على الكاتب الذي ينهي مخطوطته، والباحث الذي يدرس سؤالاً واحداً لسنوات، والمهندس الذي يقضي ساعات في إصلاح أكواد برمجية لن يراها أحد. هؤلاء ليسوا بالضرورة أكثر شغفاً من الآخرين، لكنهم طوروا قدرة أكبر على البقاء عندما يصبح البقاء صعباً.
اختيار الطريق الأصعب وتأجيل المكافأة
ترتبط العادة الثانية بالأولى، لكنها تعمل بطريقة مختلفة. فبينما تتعلق العادة الأولى بالقدرة على التحمل، تركز الثانية على اتخاذ القرار، وتحديداً اختيار تأجيل مكافأة متاحة الآن من أجل تحقيق شيء أكثر أهمية في المستقبل.
تعرف كثيرون إلى هذا المفهوم من خلال تجارب «المارشميلو» الشهيرة التي أجراها عالم النفس والتر ميشيل في جامعة ستانفورد، والتي بدأت في أواخر ستينيات القرن الماضي.
وعرضت التجارب على أطفال في مرحلة ما قبل المدرسة خياراً بسيطاً: الحصول على قطعة حلوى فوراً، أو الانتظار لبضع دقائق للحصول على قطعتين.
وأشارت دراسات المتابعة طويلة المدى التي أجراها ميشيل إلى أن الأطفال القادرين على الانتظار حققوا نتائج أفضل في مراحل لاحقة من حياتهم، وفق مؤشرات شملت الأداء الأكاديمي والكفاءة الاجتماعية.
وفي دراسة واسعة النطاق نشرت عام 2019 في مجلة «بلاس وان»، فحص الباحثون بيانات أكثر من 2200 شخص بالغ عامل، ووجدوا ارتباطاً واضحاً بين المثابرة القائمة على بذل الجهد والنجاح المهني، بما في ذلك الدخل والرضا الوظيفي والمكانة المهنية.
كما ارتبطت المثابرة بالمشاركة في برامج التطوير المهني المستمر وتبني مواقف إيجابية تجاه التعلم مدى الحياة.
وظلت هذه العلاقة قائمة حتى بعد وضع القدرات المعرفية وسمات الشخصية الأساسية في الاعتبار، ما يشير إلى أن اختيار الطريق الأصعب والأطول قد يتنبأ بنتائج لا يستطيع الذكاء وحده تفسيرها.
النجاح يتحول إلى هوية مع تكرار الاختيارات الصعبة
تكشف هذه الأبحاث مجتمعة أن القدرة على تأجيل الإشباع ليست صفة ثابتة يمتلكها بعض الأشخاص ويفتقدها آخرون، بل تبدو أقرب إلى طريقة تفكير وممارسة يمكن تدريب النفس عليها.
ويبدأ الأمر بتحديد ما يستحق الأولوية، ثم تكرار الاختيار بناءً على هذه الأولويات حتى يتحول السلوك تدريجياً إلى عادة تلقائية.
فالشخص الذي يؤجل الخروج والترفيه لعدة سنوات من أجل بناء شركة لا يعيش بالضرورة في حالة حرمان دائم، بل يكون قد حدد ما يراه أكثر أهمية، ثم يعزز كل قرار يتخذه هذا الاختيار.
وهنا تكمن قوة هذه العادة «العنيدة»: التكرار يغير طريقة حسابنا للأمور.
ما يبدأ في البداية باعتباره تضحية تتطلب جهداً كبيراً قد يتحول تدريجياً إلى جزء من هوية الإنسان. ومع مرور الوقت، لا يعود الشخص الذي يختار الطريق الأصعب مضطراً إلى مقاومة نفسه في كل قرار، لأنه يعيد تشكيل ما يعتبره طبيعياً ومقبولاً.
وبذلك، لا يرتبط النجاح دائماً بامتلاك قدرات استثنائية أو موهبة نادرة، بل قد يتحدد بقدرة الإنسان على الاستمرار عندما يصبح العمل مملاً، وعلى تحمل الانزعاج عندما يكون الهروب أسهل، وعلى تأجيل المكافأة الحالية من أجل هدف أكبر في المستقبل.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: كم أنت موهوب أو ذكي؟ بل: هل تستطيع أن تواصل العمل عندما يتوقف الأمر عن كونه ممتعاً؟ وهل تستطيع اختيار ما يفيدك لاحقاً عندما تكون المكافأة متاحة أمامك الآن؟
وفقاً لهذا المنظور، قد يصنع النجاح أولئك الذين يتقنون فن البقاء، لا أولئك الذين يعرفون فقط كيف يبدأون.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/social-instincts/202606/2-stubborn-habits-that-actually-predict-success

