خالد الحروب
كاتب وأكاديميي فلسطيني
نحن على مشارف انتهاء الخدعة رقم 3 في مسلسل خدع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران، وما نتج عنها. اشترى ترامب وقتًا كافيًا تحت مُسمّى "مذكّرة التفاهم" التي أوقفت الحرب مؤقّتًا، ومن خلالها هدأ جنون أسعار النفط والأسهم الذي فتح جبهة غير متوقّعة لترامب وأميركا والعالم. وتحت مظلّة تلك المذكّرة، أنجز أيضًا كأس العالم في أميركا بكامل الدعاية والإعلام والأرباح المطلوبة. الآن يعود ترامب ونتنياهو إلى استكمال ما لم يُنجَز، بعد أن انتهى مفعول المسكّن الذي وفّرته المذكّرة. كانت الخدعة الأولى، للتذكير، في يونيو من العام الماضي (2025)، عندما ضربت الولايات المتحدة إيران خلال جولات مفاوضات بين الطرفَين، رافقها سيل من التصريحات الأميركية أغرق الإعلام العالمي تفاؤلًا، ومن ترامب نفسه، تؤكّد أنّ الاتفاق بين واشنطن وطهران صار قريبًا من التوقيع. كانت الثانية في فبراير الماضي، وهي مجرّد "قصّ ولصق" من الأولى: مفاوضات مُكثّفة، وتصريحات متفائلة، بينما الطائرات الأميركية المُقاتلة، ومعها الإسرائيلية هذه المرّة، كانت قد تجهّزت للانقضاض على إيران.
صار معروفًا لاحقًا أنّ نتنياهو أغرى ترامب بفكرة الحرب الخاطفة التي تنهي الصفَّين الأوّل والثاني من القيادة الإيرانية، وتقضي على الدفاعات الجوية في طول البلاد وعرضها، بما يعني استباحة أجواء إيران. ويلي ذلك ثورة الإيرانيين على النظام الحاكم وإسقاطه. لم يحدث هذا، وارتبكت الحسابات وتغيّرت الأجندات وتصدّرها مضيق هرمز، عنق الطاقة العالمي، الذي أحكمت طهران الخناق عليه. خلال ما يقارب أربعين يومًا من الحرب العسكرية في المنطقة، استعرت حرب أسعار الغاز والنفط في العالم، وهي جبهة يبدو أنّ اتساع نطاقها إلى الحدّ الذي آلت إليه لم يكن في تقديرات ترامب الذي أمل في حرب سريعة لا تؤثّر بالمواطن الأميركي بالدرجة الأولى. مع ذلك، استثمر ترامب شخصيًا تقلّبات أسعار النفط والأسهم وشارك في المضاربات، وفي رفع الأسعار وخفضها بناءً على تصريحاته المتناقضة، وقالت تقارير أميركية إنّه جنى مئات الملايين من صفقات الأسهم خلال الحرب.
بنظرة استرجاعية، وفي ضوء ما تلاحق من أحداث، يبدو أنّ ترامب أراد تحقيق عدّة أهداف مؤقّتة من مذكّرة التفاهم، وهو يدرك أنّها مجرّد وثيقة مؤقّتة يسهل عليه تمزيقها كيفما ومتى أراد. أوّلها، خفض أسعار الطاقة وتهدئة الأسواق، وهو ما حدث، وثانيها تمرير كأس العالم (الأميركي) بهدوء لتحقيق أهداف الدعاية الأميركية وتحقيق الأرباح المرجوّة، وسوى ذلك، وهو ما حدث أيضًا. وثالثها شراء الوقت للتحضير لاستئناف الحرب على نحوٍ أكثر فاعلية وكفاءة، والاستفادة من دروس الأربعين يومًا، وهو ما يحدث الآن. يعزّز هذا التقدير حقيقة أنّ البنود التي تضمّنتها "مذكّرة التفاهم" فاجأت كثيرين، إذ بدا معظمها في مصلحة طهران (مثل وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، ورفع الحصار، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمَّدة، والالتزام بخطّة إعمار لإيران). وقال كثيرون إنّ إيران أصبحت القوّة الإقليمية في المنطقة، وإنّ موازين القوى كلّها اختلفت جذريًا. يبدو أنّ هذه التقديرات كلّها كانت مبالغًا فيها على أقلّ تقدير.
ثمة تفاصيل عديدة تتنازع الصورة الإجمالية، وترجّح احتمالات عودة الحرب بشكل أكثر جنونًا ودموية هذه المرّة، منها أنّ خطاب إيران السياسي، بعد مذكّرة التفاهم، انتفخ بنبرة المنتصر الذي هزم أقوى دولة. لم يتوقّف الأمر عند الخطابية والبلاغة الكلامية، بل تخطّاه إلى خطوات سياسية وإعلان نيّات، تحديدًا بشأن السيطرة على مضيق هرمز، كلّها استهدفت الجوار العربي الخليجي، وقليلها استهدف إسرائيل. وفيما تلا ذلك من تحرّشات عسكرية وتصعيد، كان الجوار الخليجي الهدف الأقرب والأكثر دفعًا للثمن، حيث تواصل التهديد والاستهداف وطاولا البنى التحتية المدنية، فضلًا عن تدمير الثقة حتّى مع أقرب الأطراف الخليجية لإيران، مثل عُمان وقطر. خدم هذا النهج الإيراني مخطّط استئناف الحرب بصورة أشدّ شراسة، إذ عزّز الدعاوى الأميركية أنّ إيران تمثّل خطرًا إقليميًا يهدّد استقرار دول الجوار العربي، وليس فقط إسرائيل.
في التفاصيل أيضًا، ثمّة توقّف مطلوب لتأمّل الصدع الذي برز بين نتنياهو وترامب (والإدارة الأميركية عمومًا، وخصوصًا نائب الرئيس جي دي فانس). عوض أن تستثمر إيران هذا الصدع وتحاول توسيعه، وبالتالي تحويل مذكّرة التفاهم المؤقّتة إلى مسار دائم وثابت يفضي إلى اتفاقية معقولة، وقعت في فخّ الاستفزاز الإسرائيلي، وفي فخّ التوريط الأميركي بمواصلة استعداء الجوار. لا نعرف على وجه الدقّة إن كان الصدع بين الطرفَين ما زال على ما هو، أم يتقلّص يومًا بعد يوم، خصوصًا مع الأخبار التي تؤكّد استعدادات إسرائيل لخوض الجولة المقبلة من الحرب مع أميركا. وهنا تختلط الأخبار الصحيحة بتلك الموجّهة والكاذبة، مثل طلب ترامب من إسرائيل عدم التدخّل الذي قد يكون كذبة علنية أخرى، غرضها تعزيز الظنّ باستمرار الاختلاف، بينما ما يحدث خلف الستار هو تنسيق مشترك لضربة مقبلة، وقاصمة، هذه المرّة.
عملياتيًا، يُشار إلى ما أشار إليه كثيرون من المحلّلين العسكريين إزاء دوائر الأهداف الإيرانية التي يطاولها القصف الأميركي منذ أسبوع، من جسور وشبكات طرق، وكانت غايته عزل الجنوب الإيراني وميناء بندر عبّاس عن بقية إيران، وإعاقة وصول الإمدادات البرّية للمنطقة الموصلة إلى مضيق هرمز. يؤكّد هذا أنّ الأسابيع الماضية، وفيما كان الجميع يتابع مباريات كأس العالم وصخبها ونقاشاتها، كانت ثمّة خطط عسكرية تُصاغ بدقّة وعلى نار هادئة. الآن، انتهى كأس العالم، وتفاخر ترامب بأنّه أهمّ لقاء رياضي حدث في تاريخ البشرية، وحصدت أميركا من ورائه مليارات. الخطوة التالية هي استكمال ما لم يُستكمَل من القضاء على إيران. أدّت مذكّرة التفاهم دور المخدِّر المؤقّت، فاقمت الثقة بالذات عند الإيرانيين إلى درجة مهولة، ما دفعهم إلى خطاب تبجّحي ضدّ جيرانهم. تلاعب المخدِّر بالجميع إعلاميًا وسياسيًا إلى أن انتهى مفعوله. فهل ستُفتح بعده أبواب الجحيم حقًّا؟

