كشفت احتفالات جماهير إسبانيا في مدريد، مساء 19 يوليو 2026، عن فرحة واسعة بالتتويج الثاني بكأس العالم بعد الفوز على الأرجنتين 1-0 عقب التمديد على ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، بعدما سجل فيران توريس هدف الحسم في الدقيقة 106، لتنتهي البطولة بعودة المنتخب الإسباني إلى القمة بعد 16 عامًا.

 

وربطت مشاهد الفرح بين الإنجاز الرياضي والحضور الفلسطيني الذي رافق المنتخب خلال البطولة، إذ ظهرت أعلام فلسطين في تجمعات مرتبطة بالفوز خارج الملعب، واحتفل فلسطينيون في غزة والضفة بانتصار إسبانيا، بينما أعاد المشهد كشف التناقض بين مساحة التضامن المتاحة في مدن غربية وسياسة نظام السيسي الذي حوّل دعم فلسطين إلى ملف أمني.

 

مدريد تتحول إلى ساحة احتفال بعد هدف فيران توريس

 

وبدأت التجمعات قبل انطلاق النهائي في الميادين الرئيسية بالعاصمة، حيث تابعت أعداد كبيرة المباراة عبر شاشات عملاقة في ساحة كولومبوس ومواقع جماهيرية أخرى، ثم انفجرت الهتافات مع صافرة النهاية، ورفع المشجعون الأعلام الإسبانية ورددوا الأهازيج الوطنية احتفالًا بإنجاز أعاد إلى الذاكرة لقب جنوب أفريقيا عام 2010.

 

وتزامن خروج الجماهير مع إطلاق الألعاب النارية والشماريخ الحمراء التي أضاءت سماء مدريد، فيما استمرت الأغاني والرقصات حتى الساعات الأولى من صباح 20 يوليو، وحرص مشجعون قدموا من برشلونة ومدن أخرى على المشاركة، بما أكد أن التتويج تجاوز حدود العاصمة وتحول إلى احتفال وطني واسع امتد إلى برشلونة وفالنسيا وبامبلونا.

 

ثم جابت مواكب السيارات شوارع المدينة مطلقة الأبواق، وتبادل المحتفلون التهاني والتقطوا الصور التذكارية، بينما توجهت مجموعات إلى ساحة سيبيليس باعتبارها الوجهة التقليدية للاحتفال بالبطولات الكبرى، ودفعت السلطات بقوات أمنية لتنظيم الحركة وحماية التجمعات، وانتهت الليلة بسبعة موقوفين من دون تسجيل اضطرابات خطيرة وفق السلطات المحلية.

 

وميدانيًا فرض المنتخب الإسباني سيطرته رغم ضيق النتيجة، بعدما صمد دفاعه أمام محاولات الأرجنتين وسجل توريس هدفه الأول في البطولة خلال الشوط الإضافي الأول، ليمنح بلاده النجمة الثانية، كما أصبحت إسبانيا أول دولة تجمع في الوقت نفسه بين لقبي كأس العالم للرجال والسيدات بعد تتويج المنتخب النسائي في 2023.

 

وفي هذا السياق يوضح الباحث في السياسة والرياضة فرانشيسكو بيلكاسترو أن بطولات كأس العالم تعمل كمساحات عالمية لعرض القضايا السياسية بسبب حجم جمهورها وسيطرتها على الدورة الإعلامية، وهو ما يفسر انتقال احتفال إسبانيا من حدث كروي إلى منصة ظهرت فيها قضايا الهوية والهجرة وفلسطين إلى جانب الكأس والنتيجة.

 

علم فلسطين يرافق انتصار إسبانيا ويتجاوز حدود الملعب

 

وبالتوازي مع احتفالات مدريد، وثقت تقارير صحفية رفع مشجعين أعلام فلسطين وإسبانيا في ميدان تايمز سكوير بنيويورك خلال الاحتفال بالفوز، مع ترديد هتافات مؤيدة لفلسطين، بينما تداولت حسابات لقطات مماثلة مرتبطة بموجة الاحتفالات، غير أن التوثيق المستقل المتاح يثبت بصورة أوضح ظهور العلم في نيويورك وفعاليات سابقة للمنتخب.

 

وسبق النهائي موقف لامين يامال الذي رفع علم فلسطين خلال احتفال برشلونة بلقب الدوري في مايو 2026، فتحول المشهد إلى رمز واسع الانتشار في غزة وبين أنصار القضية الفلسطينية، كما رفع الممثل الإسباني خافيير باردم العلم خلال مباراة إسبانيا وفرنسا في نصف النهائي، مؤكدًا استمرار حضور فلسطين داخل البطولة رغم محاولات عزل الرياضة عن السياسة.

 

وفي غزة تابع مشجعون النهائي وسط مبان دمرتها الحرب الإسرائيلية، ورفعوا الأعلام الإسبانية تقديرًا لمواقف مدريد تجاه الاعتراف بدولة فلسطين، كما شهدت رام الله تجمعًا شارك فيه نحو 3000 شخص قبل المباراة، وشارك فلسطينيون بعد التتويج صور المنتخب الفائز، في مشهد ربط النتيجة الرياضية بموقف سياسي وإنساني واضح ضد الإبادة والاحتلال.

 

ومن ناحية أخرى منح الجيل الإسباني الشاب هذا التضامن مساحة أوسع، إذ يمثل يامال المنحدر من أسرة مغربية وغينية استوائية صورة لإسبانيا متعددة الأصول، بينما قدم المنتخب أداء جماعيًا أعاد بناء علاقته بالجمهور بعد إخفاق مونديال قطر، ولذلك اعتبر كثيرون اللقب بداية مرحلة جديدة تقوم على الشباب والانضباط والتنوع الاجتماعي داخل الفريق.

 

ويشرح عالم السياسة الفلسطيني خافيير أبو عيد أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يتصرف كهيئة محايدة تجاه فلسطين، بل تجاهل تدمير الملاعب وقتل وإصابة واعتقال لاعبين فلسطينيين، ولذلك اكتسب رفع العلم في المدرجات والشوارع وظيفة تتجاوز التضامن الرمزي، لأنه يعيد القضية إلى حدث عالمي حاولت مؤسساته الرسمية ضبط رسائله السياسية.

 

فرح إسباني مفتوح وقمع مصري يطارد المتضامنين

 

وفي المقابل تسمح المقارنة مع مصر بكشف سياسة نظام السيسي بوضوح، فبينما يرفع المشجعون علم فلسطين في احتفالات رياضية مفتوحة، وثقت منظمات حقوقية اعتقال مصريين بسبب تظاهرات سلمية أو لافتات أو حملات مقاطعة أو مساهمات إغاثية، رغم أن الخطاب الرسمي المصري يعلن دعم الحقوق الفلسطينية ورفض تهجير سكان غزة.

 

وخلال نوفمبر 2025 وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بقاء 131 شخصًا رهن الحبس الاحتياطي في 14 قضية مرتبطة بالتضامن مع فلسطين، وقالت إن الاعتقالات شملت قاصرين وامرأة مسنة وشخصًا من ذوي الإعاقة، كما أحالت السلطات 64 متهمًا إلى المحاكمة في قضيتين بسبب أنشطة لدعم الحقوق الفلسطينية.

 

وفوق ذلك كشفت الوقائع أن الأجهزة الأمنية لم تكتف بمنع التظاهر، بل طاردت رفع اللافتات والكتابة المؤيدة لفلسطين ومجموعات المحادثة المغلقة، وهو ما يحول الموقف الرسمي إلى خطاب مزدوج، إذ تستخدم السلطة القضية في المؤتمرات بينما تعاقب المواطنين عندما يحاولون تحويل التضامن إلى فعل عام مستقل لا تسيطر عليه أجهزة الدولة.

 

وبحسب محمود شلبي الباحث المعني بمصر في منظمة العفو الدولية، تمثل معاقبة النشطاء بسبب التضامن مع غزة جزءًا من قمع أوسع لكل رأي لا تقره الحكومة، وطالب السلطات بتسهيل التجمع السلمي والإفراج عن المحتجزين والتحقيق في شكاوى التعذيب وسوء المعاملة، وهو تقييم يفضح الهوة بين الدعاية الرسمية والممارسة الأمنية.

 

وأخيرًا أعاد تتويج إسبانيا تثبيت حقيقة لا تستطيع الحكومات والاتحادات الرياضية محوها، وهي أن الجماهير تحمل قضاياها إلى الملاعب والشوارع مهما ارتفعت القيود، وبينما احتفلت مدريد بالكأس وظهر علم فلسطين في المشهد العالمي، واصل نظام السيسي معاقبة التضامن داخل مصر، ليصبح الفارق بين الاحتفال والقمع شهادة سياسية لا تحتاج إلى خطاب إضافي.