عمر سمير
كاتب وباحث مصري
ما إن اندلعت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران واتّسعت رقعة الردود الإيرانية، شبه العشوائية، على القواعد الأميركية في الخليج واستهدافها دوله كافّة، حتّى قفزت إلى الساحة مخاوف مصرية جمّة من هذه الحرب وتبعاتها، فالخليج مصدر التحويلات الأكبر حجماً للعمالة المصرية، كما أنّه المصدر الأكبر للديون والاستثمارات عبر العقد الماضي من عمر هذا النظام، وأيّ اضطراب فيه يمثّل خطراً كارثياً محتملاً على مصر.
صحيح أنّ الحرب أوجدت سبباً إضافياً لتفسير فشل الحكومات المصرية المتتالية وعجزها عن تحقيق معدّلات تنمية متوازنة، أو تحقيق اختراق اقتصادي واجتماعي يُذكر، بعدما أدت جائحة كورونا هذا الدور سنوات، حتّى جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، فكانت التفسيرات الجاهزة لكلّ أزمة أنّنا نعاني بسبب كورونا، ثمّ بسبب الحرب المذكورة، ثمّ جاءت حرب غزّة، فتلقّفت الحكومات راية التبرير للفشل الذريع في إدارة أزمات اقتصادية هيكلية ممتدّة عبر الأزمان والظروف منذ السبعينيّات، بسبب سياسات وتوجّهات اقتصادية خاطئة، وتتفاقم في كلّ ميدان من دون حلول إبداعية أو حتّى تقليدية.
سعت مصر، مع قطر وتركيا وباكستان، بكلّ السبل إلى إيجاد حلول لوقف التصعيد وضمان التهدئة، ولم تستطع أن تلتقط أنفاسها جرّاء أزمة ارتفاع أسعار النفط، واضطراب سلاسل الإمداد والتوزيع، وانخفاض قيمة العملة بشدّة بسبب الحرب، إلا بعد التوصل إلى مذكّرة التفاهم الإيرانية الأميركية، ليتفاءل الجميع بإمكانية التوصّل إلى حلّ، ويهدأ الجنيه المصري نوعاً ما، ليعود إلى ما تحت الخمسين جنيهاً للدولار.
لكنّ تجدّد التصعيد الإيراني الأميركي في منتصف يوليو/ تمّوز الحالي في الموجة الحالية من الضربات الأميركية والردود الإيرانية، أدّى مجدّداً إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وإن ادّعت الولايات المتحدة وحلفاؤها أنّه مفتوح تحت حمايتهم؛ فإيران لا تزال صاحبة اليد الطولى، وتنظر إلى المضيق باعتباره قنبلتها النووية وعامل الردع الوحيد المتبقّي، ومن ثمّ لا تقبل أيّ مفاوضات (أو تنازلات) على رؤيتها للمضيق، وتفسيراتها للبنود المتعلّقة به في مذكّرة التفاهم وفي أيّ مفاوضات تتعلّق به.
معضلة هذه الموجة من التصعيد أنّها تتدحرج من نطاق المحسوب إلى نطاق غير المحسوب بسرعة كبيرة؛ فاستهداف البنية التحتية غير العسكرية صار نهجاً أميركياً إسرائيلياً متوقّعاً، والتهديد بتدمير الحضارة الإيرانية بالكامل يبدو أنّه قيد التنفيذ بطريقة أو بأخرى، وهذا الأمر يجعل خيارات شمشون الأكثر منطقية وتوقّعاً من إيران، وبالتالي؛ فإنّ استهداف البنية التحتية في إيران سيعني تلقائياً استهدافاً إيرانياً للبنية التحتية في الخليج.
ما يعنيه هذا بالنسبة إلى مصر أنّ عمالتها، وهي بالملايين في دول الخليج مجتمعة، ستصبح عرضةً للحرمان من خدمات تلك البنية التحتية، والتهديد المباشر بفقدان أعمالها، ما يجعل الخوف من عودة تلك العمالة أو تدهور تحويلاتها، التي هي المصدر الأكبر للعملات الأجنبية، أمراً محقّقاً وليس مجرّد مخاوف.
ما يعنيه إغلاق المضيق أيضاً عدم القدرة على التنبّؤ بأسعار النفط والغاز الطبيعي وبقية السلع والخدمات التي تمرّ عبر الخليج وبلدانه، وأيّ ارتفاع في هذه السلع يعني عجزاً أكبر للموازنة العامّة المصرية، وضغوطاً أكبر على الجنيه، وتدهوراً واضحاً له أمام الدولار وبقية العملات، وهو ما بدأنا نلحظه بعد أسبوع من استئناف الصراع، بوتيرة ربّما أكبر ممّا قبل التوصّل إلى مذكّرة التفاهم.
ويعني هذا التوسّع لرقعة الحرب أيضاً أنّ عودة التدخّل الحوثي وتعرّضهم للسفن في البحر الأحمر وبحر العرب وباب المندب يعيدنا إلى مربّع تهديد الملاحة في قناة السويس، ومن ثمّ تدهور عائداتها وعودتها إلى مستوياتها التاريخية المتدنّية التي كانت إبّان حرب غزّة، وكانت الحكومة المصرية تصرخ جرّاء تدهور تلك العائدات وتراجعها، من دون امتلاك أيّ رؤية حول كيفية إنّهاء هذه الحرب التي حوّلتها حكومة نتنياهو إلى حرب إبادة جماعية شاملة.
لا تحتمل مصر، التي تعاني من أزمة تمويل دولي مزمنة تجعل الديون وفوائدها تلتهم أكثرية الناتج القومي الإجمالي، ولا تترك للإنفاق الحكومي إلّا أقلّ القليل على خدمات عامة متدهورة بشدّة، أن تفقد هذا القدر من التحويلات أو حتّى ربعه، وهي واحدة من أكثر بلدان العالم تلقّياً للتحويلات، كما أنّها لا تحتمل أن ينهمك شركاؤها في الخليج في مشكلاتهم الداخلية، فيتوقّفوا عن الصفقات المليارية للاستحواذ على المصانع الكُبرى والمساحات الشاسعة من الأراضي بحجم مدن، كما هو الحال في صفقة رأس الحكمة وغيرها، والموانئ والمناطق اللوجستية، وهي الصفقات التي لطالما دافع النظام المصري عنها باعتبارها الحلّ الوحيد لضمان قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها.
لا تحتمل مصر هذا، لكنّها ربّما لم ترسم سياساتها بناءً على هذا السيناريو من الاضطراب المستمرّ في الخليج أو في محيطها الإقليمي ككل أبداً، إذ دائماً كانت توقّعات خبرائها أنّها حروب خاطفة، سواء في غزّة أو مع إيران، وبناءً على ذلك كانت تدير الأمور بمنطق إدارة أزمة يومية قابلة للاحتواء بالمسكّنات هنا وهناك، رغم قدرتها، في حال أرادت، على أن تخلق اختراقاً في كثير من ملفّات المنطقة.
في حربَي الخليج الأولى والثانية، اضطلعت مصر بأدوار كبيرة، أحياناً وسيطة وأخرى قائدة، رغم انعزالية نظام مبارك وقطريته، سواء في ما يتعلّق باندماج القوى العاملة المصرية في الحرب العراقية الإيرانية، فقامت بتدوير عجلة الإنتاج في العراق ومساعدته كثيراً على المستوى الرسمي، أو حتّى بالاندماج الرسمي لنظام حسني مبارك لاحقاً في التحالف الدولي لتحرير الكويت، ومن ثمّ حصوله على فتات من تعويضات وفرصة لهيكلة الديون. لكن، على المدى البعيد، خسرت مصر مليارات من تحويلات عمالتها من العراق، وتحوّل من بلد مستضيف رئيسي للعمالة إلى بلد طارد لها، وتحوّل الخليج كلّه إلى مستوى الهشاشة والضعف والانكشاف الذي نراه الآن أمام إيران.
تفاءل بعضهم بالتنسيق المصري التركي السعودي الباكستاني، باعتباره يعيد ترتيب المنطقة والمحاور فيها على نحوٍ يقوّض معادلة التفوق الإسرائيلي على بلدان المنطقة كافّة، وربّما يكون رادعاً لها عن حرب إقليمية أخرى، فيما تفاءل بعضهم به بعدّه محاولةً لملء فراغ القوّة الذي قد يخلقه إضعاف إيران أميركياً وإسرائيلياً. لكن حتّى هذا التنسيق لم يثمر أكثر من وساطات هشّة لعقلنة الصراع في المنطقة، ولم يتبلور منه تحالف فعلي بقوّة التحالف القطري التركي في مواجهة الحصار حتّى. هذا في وقت يحتاج فيه الخليج إلى حلفاء استراتيجيين حقيقيين، فتبحث بعض دوله عن الهند وأخرى عن باكستان، فيما لا تزال معادلات الأمن هشّةً وغير قابلة للاستمرار بهذا الضعف. ولا تزال مصر أيضاً تائهةً وغارقةً في مشكلاتها الداخلية، وتجري وراء عشرات الشباب في قضايا تتعلّق باحتجاجات رقمية لجيل زد المغدور.

