وجّه تقرير لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب انتقادات حادة لإدارة مشروعات استثمارية لم تحقق أهدافها ضمن خطة 2026/2027 البالغة استخداماتها 8.176 تريليون جنيه مطالبا الحكومة بالمراجعة ووقف المشروعات الجديدة ومحاسبة المقصرين.

 

سياسيا وإنسانيا يكشف التقرير اعترافا رسميا متأخرا بأن سلطة أنفقت أموال المواطنين على مشروعات بلا عائد ثم تركتهم يواجهون الغلاء وتراجع الخدمات بينما أفلت المسؤولون عن التعثر من الحساب سنوات طويلة.

 

 

استثمارات بلا عائد

 

بداية اعتبرت اللجنة أن استمرار ضخ الاعتمادات في مشروعات تفتقر إلى دراسات جدوى دقيقة أو عائد اقتصادي ملموس يضيف عبئا جديدا إلى الخزانة ويبدد فرصا كان يمكن توجيهها للتنمية والخدمات العامة.

 

ووفق التقرير يتعين وضع شروط مرجعية واضحة تسبق إصدار أي قرار باستثمار الأموال في رؤوس أموال الشركات والهيئات حتى تقوم الاختيارات على أسس علمية واقتصادية يمكن قياس نتائجها ومراجعتها لاحقا.

 

في المقابل شددت اللجنة على أن تلك الشروط يجب أن تصبح المعيار الحاكم لتقييم العطاءات المقدمة من المستثمرين بما يمنع تمرير عروض ضعيفة أو تحميل الدولة تكاليف قرارات لم تختبر جدواها الحقيقية.

 

كذلك أوصى التقرير بربط تقييم أداء القيادات المحلية والتنفيذية بنسب الإنجاز الفعلي على الأرض بدلا من الاكتفاء بتقارير مكتبية تسمح بإخفاء التأخير وتضخيم الإنجازات وصرف الأموال دون نتائج قابلة للتحقق.

 

غير أن الدعوة إلى الثواب والعقاب تظل ناقصة ما لم تكشف الحكومة أسماء المشروعات المتعثرة وقيمتها والجهات المسؤولة عنها لأن المحاسبة المجهلة قد تتحول إلى شعار جديد يحمي القيادات بدلا من ردعها.

 

ومن جانبه يرى الدكتور محمد فؤاد أن أزمة الاستثمار الحكومي لا تتعلق بالمبدأ نفسه بقدر ارتباطها بتوقيت الإدارة وقدرة المشروعات على تحقيق عائد يتناسب مع الالتزامات التمويلية العاجلة المفروضة على الدولة.

 

علاوة على ذلك ينتقد فؤاد عدم وضوح موعد جني ثمار الإنفاق الضخم على البنية الأساسية أو انعكاسه على العدالة الاجتماعية والفقر مؤكدا أن العائد المؤجل لا يبرر التزامات مالية حالية خانقة.

 

وبناء على ذلك يصبح وقف المشروعات الجديدة قبل استكمال المتعثر إجراء ضروريا لحماية المال العام لكنه يحتاج إلى كشف تفصيلي بالإنجاز والكلفة والعائد لا مجرد تعهدات حكومية بلا جداول زمنية ملزمة.

 

 

ديون تدفعها الأجيال

 

في سياق مواز ركزت توصيات النواب على القروض والمنح الأجنبية رافضة تحميل الدولة فوائد ديون لمشروعات بطيئة التنفيذ أو متوقفة لأن الاقتراض بلا إنجاز يحول التمويل التنموي إلى عبء دائم على المجتمع.

 

وبحسب التقرير يجب مراجعة جميع المشروعات الجارية قبل الموافقة على تمويلات جديدة مع تحديد أسباب التعثر ومسؤولية كل جهة حتى لا تستخدم القروض لسد فجوات صنعتها الإدارة السيئة أو غياب التخطيط.

 

تبعا لذلك طالب النواب بإحالة المخالفات المالية والإدارية التي تسببت في التعثر إلى الجهات الرقابية المختصة للتحقيق ومحاسبة من وافق على تمويل مشروعات خالفت دراساتها أو عجزت عن تحقيق عوائدها.

 

وبدوره يعتبر الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الحكومة استخدمت القروض لمعالجة أزمات مالية آنية أكثر من توجيهها لاستثمارات حقيقية تعود على المواطنين وهو مسار يكرر التعثر تحت عناوين تنموية براقة.

 

كما أن النحاس يحذر من أن التمويلات التي تنتظرها الدولة قد تذهب إلى سداد أقساط وفوائد سابقة قبل وصول أثرها إلى الاقتصاد بما يعمق الحلقة التي يستدعي فيها كل قرض قرضا آخر.

 

وفوق ذلك تكشف تقديرات الموازنة تخصيص 2.419 تريليون جنيه للفوائد وهو رقم يفوق مخصصات الأجور والدعم والاستثمارات مجتمعة تقريبا ويظهر كيف صارت خدمة الدين صاحبة الأولوية على حساب الاحتياجات الاجتماعية.

 

لذلك رفض التقرير تحميل الخزانة فوائد مرتبطة بمشروعات متوقفة وطالب بتحديد المسؤولية عندما تخالف القرارات الاستثمارية نتائج دراسات الجدوى أو تفشل في بلوغ العائد المستهدف وفق القواعد والقوانين المنظمة للاستثمار.

 

ومن ثم فإن حوكمة الاقتراض لا تبدأ عند توقيع الاتفاقيات بل من إثبات حاجة المشروع وقدرته على السداد وتحقيق دخل حقيقي مع وقف التمويل فورا إذا انحرفت النتائج عن المستهدف المعلن.

 

 

مسؤولية مؤجلة

 

أما الأرقام الكلية فتظهر أن إجمالي استخدامات موازنة 2026/2027 يقدر بنحو 8.176 تريليون جنيه مقابل 4.175 تريليون فقط للإيرادات والمتحصلات من الإقراض ومبيعات الأصول المالية وغيرها بفجوة واسعة تستدعي تمويلا إضافيا.

 

وطبقا للتوزيع تبلغ مخصصات الأجور وتعويضات العاملين 822.8 مليار جنيه بينما يصل الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إلى 832.3 مليار والمصروفات الأخرى إلى 261.1 مليار فقط ضمن العام المالي الجديد المقرر.

 

في حين خصص المشروع 553.7 مليار جنيه لشراء الأصول غير المالية والاستثمارات فإن التقرير يطالب بضمان ألا تتكرر دورة إنفاق الأموال أولا ثم اكتشاف ضعف العائد والتعثر لاحقا دون محاسبة.

 

ومن ناحيتها تحذر الدكتورة عالية المهدي من أن أعباء الديون بلغت مستويات خطيرة وأن الاقتراض الخارجي المستمر يضغط على الموازنة ويقيد قدرة الدولة على تمويل التنمية والخدمات الأساسية للمواطنين مستقبلا.

 

بالتوازي تؤكد المهدي أن القرض المقبول هو ما يوجه إلى مجال قادر على السداد وتحقيق عائد حقيقي بينما تمويل مشروع متعثر أو عديم الجدوى يعيد إنتاج الأزمة ويورث كلفتها للمجتمع.

 

ولزيادة الانضباط أوصت اللجنة بأن تصبح نسب الإنجاز أساسا لتقييم القيادات المحلية والتنفيذية وأن ترتبط القرارات الوظيفية بقدرتهم على تحويل الاعتمادات إلى خدمات وأصول عاملة لا افتتاحات شكلية متعثرة لاحقا.

 

وعلى هذا الأساس وافق مجلس النواب على التقرير العام للجنة الخطة والموازنة وأحاله إلى مجلس الوزراء متضمنا التوصيات لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن مراجعة المشروعات وضبط الاستثمار والتحقيق في المخالفات المثبتة.

 

أخيرا لا تكمن قيمة التقرير في لغته الحادة بل في قدرة الحكومة على تنفيذ توصياته ونشر نتائج التحقيق لأن تجاهل المسؤولية سيجعل الموافقة البرلمانية مجرد غطاء جديد لاستمرار الإنفاق بلا حساب.

 

وهكذا تجمع الأزمة ثلاثة مسارات مترابطة هي مشروعات غابت عنها الجدوى وقروض تحولت فوائدها إلى عبء وموازنة تكشف فجوة هائلة بينما يبقى المواطن دافع الضرائب أول من يتحمل نتيجة الفشل وآخر من يملك القرار.