تكشف الدكتورة إليزا همفريز، طبيبة الأطفال ومدربة الآباء، في مقال تحليلي كيف أصبحت ثقافة الإنجاز المفرط تضغط على الأطفال بصورة غير مسبوقة، رغم أنهم يحظون بفرص تعليمية ورياضية واجتماعية متميزة.
وتوضح أن السعي المستمر إلى التفوق، حين يرتبط بقيمة الطفل الذاتية، يرفع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات الصحة النفسية، بينما تبقى العلاقات الإنسانية الداعمة العامل الأهم في بناء المرونة النفسية.
وأشار تقرير نشره موقع سايكولوجي توداي إلى أن فرق الرياضة الاحترافية، والدروس الخاصة، والسعي إلى التفوق الأكاديمي لم تعد امتيازات لفئة محدودة من الأطفال، بل أصبحت جزءًا من نمط الحياة لدى كثير من الأسر متوسطة ومرتفعة الدخل.
وفي المقابل، حذرت الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب من أن الطلاب ذوي الإنجازات المرتفعة ينتمون اليوم إلى الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب وتعاطي المواد المخدرة، إلى جانب الأطفال الذين يواجهون الفقر أو الصدمات أو التمييز.
ثقافة الإنجاز ترفع الضغوط النفسية على الأطفال
يوضح التقرير أن ثقافة الإنجاز تقوم على تقديس النتائج والتفوق والنجاح الخارجي، مدفوعة بخوف متزايد لدى الأسر من تراجع فرص أبنائها إذا لم يشاركوا في سباق الإنجاز المستمر.
وتفاقم وسائل التواصل الاجتماعي هذا الواقع عبر المقارنات اليومية، بينما يشتد التنافس على القبول الجامعي، ويصل ضغط الكبار إلى الأطفال حتى داخل الأسر التي تحاول التركيز على الأخلاق والاجتهاد والصحة النفسية أكثر من الدرجات والجوائز.
ويؤكد التقرير أن الطموح ليس المشكلة في حد ذاته، كما أن تنمية مواهب الأطفال أو دعم شغفهم تمثل أهدافًا إيجابية، لكن الخطر يبدأ عندما يربط الطفل قيمته الشخصية بما يحققه من إنجازات.
وتشير دراسات الباحثة سونيا لوثر إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وتعاطي المواد المخدرة في المدارس ذات الأداء الأكاديمي المرتفع، إذ يعتقد كثير من الطلاب أن احترامهم لأنفسهم يعتمد على نتائجهم الدراسية أو الرياضية، بينما يزيد النقد الأسري والمقارنات الاجتماعية والعلاقات التنافسية من حدة الضغوط النفسية.
العلاقات الإنسانية تبني المرونة أكثر من الإنجازات
يبرز التقرير أن الأبحاث الحديثة تقود إلى نتيجة واضحة؛ فالمرونة النفسية لا تنمو عبر استراتيجيات التفوق وحدها، بل عبر العلاقات الإنسانية الداعمة.
وتلخص لوثر سنوات طويلة من الدراسات بقولها إن المرونة ترتكز في جوهرها على العلاقات، وهو ما تؤكده أيضًا دراسة واسعة حول تجارب الطفولة الإيجابية، إذ ترتبط أفضل مؤشرات الصحة النفسية في مرحلة البلوغ بقدرة الطفل على الحديث مع أسرته عن مشاعره، وشعوره بالدعم من أصدقائه، ووجود بالغين يثق بهم خارج المنزل، وإحساسه بالأمان داخل الأسرة، وانتمائه إلى المدرسة، ومشاركته في الأنشطة المجتمعية.
كما تشير الباحثة آن ماستن إلى أن حماية الأطفال لا تعتمد على حلول استثنائية، بل على ما تصفه بـ"السحر العادي"، الذي يشمل وجود شخص بالغ يقدم الرعاية باستمرار، ومدرسة ومجتمع يعرفان الطفل ويقدرانه، إلى جانب الروتين الأسري والعادات التي تعزز شعوره بالانتماء والهوية.
كيف تبني الأسرة أطفالًا أكثر صلابة نفسيًا؟
يشدد التقرير على ضرورة فصل قيمة الطفل عن مستوى إنجازه، إذ ينبغي أن يركز الآباء على تقدير الاجتهاد والفضول والمثابرة والقدرة على التكيف والنمو، مع الاحتفاء بالنجاحات دون اختزال شخصية الطفل فيها.
كما يدعو إلى تغيير طبيعة الأسئلة اليومية، بحيث يبدأ الحديث بالاطمئنان على مشاعر الطفل وتجربته الإنسانية قبل السؤال عن نتيجة الاختبار أو المباراة.
ويرى التقرير أن وجود معلمين أو مدربين أو أقارب أو مرشدين يهتمون بالطفل لشخصه، وليس لإنجازاته فقط، يمثل أحد أقوى عوامل الحماية النفسية.
ويؤكد أيضًا أهمية الحفاظ على الوجبات العائلية والأنشطة الأسرية والوقت الحر غير المنظم، لأنها تسهم مباشرة في تعزيز المرونة النفسية، وليس لأنها مجرد وقت متبقٍ بعد الدراسة والتدريب.
ويضيف أن تقبل الفشل بوصفه فرصة للتعلم يمنح الأطفال قدرة أكبر على مواجهة التحديات، خاصة عندما يتحدث الآباء بصراحة عن إخفاقاتهم وكيف تجاوزوها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها أمرًا مخيفًا.
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن المرونة النفسية ليست صفة يولد بها الطفل أو يفتقدها، بل مهارة تتشكل تدريجيًا عبر العلاقات اليومية والتجارب الإنسانية، وعندما يدرك الطفل أن قيمته ثابتة مهما كانت النتائج، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الضغوط والانحناء أمام الصعوبات دون أن ينكسر.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/parenting-with-perspective/202607/able-to-bend-not-break

