رغم أن النمل يعد من أكثر الكائنات الحية التي خضعت للدراسة على مدار عقود، فإن الأبحاث العلمية لا تزال تكشف عن مفاجآت تغير كثيرًا من المفاهيم الراسخة حول حياته وسلوكه الاجتماعي. ففي اكتشاف وصفه الباحثون بأنه قد يعيد تفسير كيفية تطور المجتمعات المنظمة لدى الحشرات، توصل فريق من العلماء إلى أن شرانق النمل لا تمثل مجرد مرحلة انتقالية قبل اكتمال نمو الحشرة، بل تؤدي دورًا غذائيًا بالغ الأهمية داخل المستعمرة، من خلال إفراز سائل مغذٍ يشبه في خصائصه "الحليب"، تعتمد عليه بقية أفراد المستعمرة للحصول على العناصر الأساسية اللازمة للحياة.
وجاءت نتائج الدراسة، التي نشرت في مجلة نيتشر العلمية، لتسلط الضوء على وظيفة جديدة وغير متوقعة لشرانق النمل، حيث أكد الباحثون بقيادة العالم دانيال كروناور أن هذه الشرانق تنتج سائلًا غنيًا بالبروتينات والأحماض الأمينية والفيتامينات والكربوهيدرات، ليصبح مصدرًا غذائيًا تتقاسمه اليرقات والنمل البالغ في نظام تعاوني معقد يعكس مستوى مذهلًا من التنظيم داخل المستعمرة.
بداية الاكتشاف
بدأت القصة عندما انضمت الباحثة أورلي سنير إلى مختبر دانيال كروناور، إذ لاحظت أثناء مراقبة مستعمرات النمل سلوكًا لم تجد له أي تفسير في الأدبيات العلمية السابقة، ما دفعها إلى اقتراح سلسلة من التجارب لفهم ما يحدث داخل مرحلة الشرنقة.
وقام الفريق البحثي بعزل مجموعات من الشرانق واليرقات عن بقية المستعمرة، مع توفير ظروف دقيقة من حيث درجة الحرارة والرطوبة لضمان استمرار حياتها، وبعد فترة قصيرة فوجئ الباحثون بظهور كميات كبيرة من سائل شفاف تفرزه الشرانق باستمرار.
لكن المفاجأة الأكبر كانت أن بعض الشرانق غرقت داخل السائل الذي أنتجته بنفسها، بينما تعرضت أخرى للإصابة بعدوى فطرية نتيجة تراكمه، وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الظاهرة طبيعية أم أنها نتيجة للعزل داخل المختبر.
تجربة الصبغة الزرقاء
وللإجابة عن هذا السؤال، صممت الباحثة تجربة بسيطة لكنها حاسمة، إذ قامت بحقن صبغة غذائية زرقاء في الفتحة التي يخرج منها السائل داخل الشرنقة، ثم أعادتها إلى المستعمرة الطبيعية.
وخلال وقت قصير، لاحظ العلماء أن النمل العامل يتجمع حول الشرانق، ويزيل السائل المتراكم عليها ثم يبتلعه، فيما ظهر اللون الأزرق لاحقًا داخل الجهاز الهضمي للنمل البالغ، في دليل مباشر على أن السائل يمثل مصدرًا غذائيًا حقيقيًا تتغذى عليه المستعمرة بشكل طبيعي.
وأكدت هذه النتيجة أن السائل ليس ناتجًا عرضيًا عن ظروف المختبر، وإنما جزء أساسي من دورة الحياة داخل مستعمرات النمل.
"حليب" غني بالعناصر الغذائية
ولمعرفة طبيعة هذا السائل، أخضعه الباحثون لتحليل كيميائي دقيق، أظهر أنه يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها الجسم لبناء البروتينات، إضافة إلى مجموعة من السكريات المعقدة والفيتامينات والعناصر المغذية الأخرى.
ويرى العلماء أن هذا التركيب الغذائي يجعل السائل مشابهًا في وظيفته للحليب لدى الثدييات، رغم اختلاف مصدره وطبيعته البيولوجية، إذ يوفر الغذاء اللازم للنمل واليرقات خلال مرحلة حساسة من دورة الحياة.
كما أوضحت الدراسة أن كثيرًا من الحشرات الأخرى تعيد امتصاص هذه السوائل داخل أجسامها خلال مرحلة التحول، بينما اختار النمل مسارًا تطوريًا مختلفًا يتمثل في مشاركة هذه العناصر الغذائية مع بقية أفراد المستعمرة.
سر الحياة الاجتماعية
ويعتقد دانيال كروناور أن هذا الاكتشاف قد يقدم تفسيرًا جديدًا لكيفية تطور الحياة الاجتماعية لدى النمل، موضحًا أن تبادل الغذاء بين المراحل المختلفة لنمو الحشرة ربما كان أحد العوامل الأساسية التي ساعدت على ظهور المجتمعات المنظمة التي يشتهر بها النمل اليوم.
وأشار إلى أن هذا السائل يعمل بمثابة "غراء اجتماعي" يربط أفراد المستعمرة ببعضهم البعض، ليس فقط من خلال توفير الغذاء، بل عبر تعزيز الاعتماد المتبادل بين جميع الأفراد، بما يشمل اليرقات والشرانق والنمل البالغ.
إشادة علمية واسعة
ولقيت نتائج الدراسة اهتمامًا كبيرًا داخل الأوساط العلمية، حيث وصف لوران كيلر، المتخصص في علم الحشرات بجامعة لوزان السويسرية، البحث بأنه من الدراسات القوية التي صُممت بعناية، مؤكدًا أن الظاهرة قد تكون أكثر انتشارًا مما كان يُعتقد سابقًا.
وأضاف أن النتائج تفتح الباب أمام إعادة دراسة العديد من أنواع النمل والحشرات الاجتماعية الأخرى، بحثًا عن آليات مشابهة ربما ظلت مجهولة لعقود.
آفاق جديدة للبحث
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف لا يقتصر على كشف سلوك غذائي جديد داخل مستعمرات النمل، بل قد يسهم أيضًا في فهم أعمق لتطور التعاون بين الكائنات الحية، وآليات تبادل الموارد داخل المجتمعات الحيوانية، وهي أسئلة تشغل علماء الأحياء التطورية منذ سنوات طويلة.
كما قد تساعد هذه النتائج في تطوير أبحاث تتعلق بسلوك الحشرات الاجتماعية، وإدارة مستعمراتها، وحتى تصميم أنظمة مستوحاة من الطبيعة تعتمد على التعاون وتقاسم الموارد بكفاءة.
وفي الوقت الذي ظن فيه العلماء أنهم كشفوا معظم أسرار النمل، جاءت هذه الدراسة لتؤكد أن أحد أصغر الكائنات على وجه الأرض لا يزال يخفي مفاجآت علمية قادرة على تغيير فهمنا للحياة الاجتماعية في عالم الحشرات، وأن ما يحدث داخل شرنقة صغيرة قد يحمل مفاتيح لفهم تطور التعاون بين الكائنات الحية عبر ملايين السنين.

