كشفت النائبة راوية مختار في طلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير الزراعة وجود أكثر من 1000 حيازة وهمية داخل جمعية زراعية واحدة بما يهدد بتسرب الأسمدة المدعمة وحرمان المزارعين الحقيقيين من حقوقهم.
ويفضح هذا الرقم خللًا أعمق من مجرد خطأ إداري إذ تتحول منظومة الدعم إلى باب للنهب المنظم بينما يقف الفلاح الحقيقي أمام الجمعيات بحثًا عن سماد لا يجده وتدفع الدولة ثمن فساد يتكاثر بصمت.
دعم يذهب للوهم
وبحسب التعريف المتداول للحيازة الوهمية فهي تسجيل لمساحات غير موجودة أو إبقاء أراض جرى تبويرها ضمن السجلات أو تكرار قيد المساحة الواحدة لأكثر من شخص بهدف اقتناص حصص الدعم الزراعي المدعم.
وبالتالي فإن كل حيازة مزورة لا تعني ورقة خاطئة فقط بل شحنة أسمدة أو تقاوي أو مبيدات قد تخرج من المخازن إلى السوق السوداء بدل أن تصل إلى الأرض التي تنتج غذاء المصريين.
كما أن استمرار التسجيل بعد انتقال الملكية أو تغيير استخدام الأرض يكشف فشل الجمعيات في تحديث بياناتها ويمنح الوسطاء والمتواطئين فرصة لإبقاء الدعم مربوطًا بأسماء لم تعد تملك أو تزرع فعليًا.
ولزيادة خطورة الملف فإن وجود أكثر من 1000 حالة داخل جمعية واحدة يفتح الباب أمام احتمال تكرار الظاهرة في مئات الجمعيات بما قد يرفع الخسائر إلى أرقام هائلة يصعب تقديرها.
لذلك يصبح السؤال الحقيقي هو كيف مرت هذه الحيازات لسنوات من دون مراجعة ميدانية جدية ومن المسؤول عن اعتماد الكشوف وصرف المستلزمات ومن استفاد من فارق السعر بين المدعم والسوق الحرة.
ومن ثم فإن الحديث عن أخطاء فردية لا يكفي لأن تكرار التسجيل أو إبقاء أراض مبنية داخل الدفاتر يحتاج إلى تعاون أو إهمال مؤسسي يمر عبر أكثر من موظف وأكثر من مرحلة صرف.
غير أن الفلاح النظامي هو الطرف الأضعف في هذه الدائرة لأنه يلتزم بالأوراق والمساحة الحقيقية ثم يفاجأ بنقص الحصة أو تأخرها بينما تذهب الكميات إلى أسماء وهمية ومحاضر حصر مصطنعة.
علاوة على ذلك فإن نقص السماد المدعم يرفع تكلفة الزراعة ويجبر المزارع على الشراء من السوق السوداء بأسعار أعلى ما يقلص هامش الربح ويدفع بعضهم إلى تقليل المساحات أو هجر المحصول.
الفلاح يدفع الثمن
وبناء على ذلك لا تقف الخسارة عند المال العام بل تمتد إلى الأمن الغذائي لأن تراجع استخدام الأسمدة في توقيتها المناسب يخفض الإنتاج ويزيد الحاجة إلى الاستيراد ويضغط على أسعار الغذاء.
وفي السياق نفسه تتضرر المحاصيل الاستراتيجية أكثر من غيرها حين تتعطل مستلزمات الإنتاج لأن توقيت التسميد والري والحصاد لا يحتمل التأجيل بينما شبكات التلاعب تتحرك بسرعة أكبر من أجهزة الرقابة.
وفوق ذلك فإن إعادة بيع المدعم في السوق السوداء تحقق أرباحًا ضخمة على حساب الموازنة والفلاح والمستهلك معًا ما يجعل الحيازة الوهمية حلقة مركزية في اقتصاد فساد يقتات على الدعم.
وعليه طالبت النائبة بوقف صرف أي دعم للحيازات الوهمية أو المكررة فورًا لكن هذا الإجراء لن يكون كافيًا ما لم تتبعه مراجعة شاملة وتحقيقات مالية تكشف مسار الكميات التي صُرفت بالفعل.
ومع ذلك فإن وقف الصرف يحتاج إلى ضمانات حتى لا يتحول إلى عقوبة جماعية تطال مزارعين حقيقيين بسبب أخطاء السجلات لذلك يجب إجراء مطابقة ميدانية سريعة مع إتاحة التظلم وتصحيح البيانات.
إضافة إلى ذلك دعت راوية مختار إلى ربط سجلات الحيازات ببيانات الشهر العقاري والجهات المختصة بما يسمح بتحديث الملكية تلقائيًا عند البيع أو التنازل ويغلق باب استمرار أسماء قديمة داخل المنظومة.
ومن ناحية أخرى فإن الرقمنة وحدها لا تكفي إذا ظلت بيانات البداية فاسدة أو غير مكتملة لأن النظام الإلكتروني قد يعيد إنتاج الخطأ نفسه بسرعة أكبر ويمنحه مظهرًا قانونيًا زائفًا.
على الجانب المقابل يجب حصر الأراضي التي جرى تبويرها وتحويلها إلى مبان وإسقاطها فورًا من كشوف الدعم لأن استمرارها يمثل صرفًا لمستلزمات إنتاج على أرض لم تعد زراعية أصلًا بأي حال.
رقابة غائبة ومحاسبة مؤجلة
ثم إن الحصر الميداني للمحاصيل يحتاج إلى لجان مستقلة ومتغيرة العضوية مع تصوير جغرافي وتوثيق زمني يمنع الموظف الواحد من السيطرة على دورة التسجيل والمراجعة والصرف داخل الجمعية الزراعية كاملة.
وبصورة أوسع ينبغي مقارنة كميات الأسمدة المسلمة لكل جمعية بحجم الأراضي المزروعة فعليًا ونوع المحاصيل ومعدلات الاستهلاك الطبيعية لأن الفروق غير المنطقية قد تكشف مبكرًا أماكن التسريب والتلاعب المحتمل.
كذلك يجب إعلان قيمة الأموال التي صُرفت بسبب الحيازات غير الصحيحة بدل إخفائها داخل أرقام إجمالية لأن الرأي العام من حقه معرفة حجم الفساد ومن تحمل مسؤوليته ومن أعاد الأموال.
وفي المقابل لا معنى للمراجعة إذا انتهت إلى نقل موظف أو توجيه لوم إداري فالتلاعب في الدعم العام جريمة تمس الأمن الغذائي وتستوجب إحالة المتورطين إلى التحقيق واسترداد كل مكسب غير مشروع.
أما وزارة الزراعة فعليها إعلان خطة زمنية لمراجعة الجمعيات كافة تبدأ بالمناطق الأعلى شكوى وتربط استمرار صرف الدعم بنتائج التحقق الميداني مع نشر تقارير دورية عن الحالات المكتشفة والإجراءات المتخذة.
وفي الوقت ذاته ينبغي حماية المبلغين والمزارعين الذين يكشفون المخالفات لأن شبكات التلاعب المحلية قد تضغط عليهم أو تحرمهم من الخدمات بينما يحتاج الإصلاح إلى شهاداتهم ومعرفتهم الدقيقة بالأراضي والأسماء.
وأخيرًا تكشف الحيازات الوهمية أن أزمة الأسمدة ليست دائمًا نقصًا في الإنتاج أو التوريد بل قد تكون نتيجة توزيع فاسد يسمح لوهم مسجل في دفتر أن يهزم فلاحًا يقف فوق أرض حقيقية.
وفي المحصلة فإن اكتشاف 1000 حيازة وهمية داخل جمعية واحدة ليس نهاية التحقيق بل بدايته لأن الدولة مطالبة بمراجعة المنظومة كاملة واسترداد الأموال ومحاسبة المتورطين وضمان وصول الدعم إلى من يزرع فعلًا.

