تقدم نادي قضاة مصر ببلاغين إلى النائب العام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد قناة صدى البلد ومصطفى بكري ومحمد الباز، بسبب تناول حكم جيهان زكي، قبل تحرك نقابي وإعلامي لاحتواء الأزمة بالاعتذار والزيارة.

 

ويكشف التصعيد حدودًا شديدة الحساسية بين حماية استقلال القضاء وحق الصحافة في النقاش العام، بينما يخشى صحفيون أن تتحول هيبة المؤسسات إلى ستار يمنع مساءلة الأحكام وآثارها السياسية والمجتمعية على المواطنين.

 

بلاغ يشعل المواجهة

 

وأوضح النادي أن برنامج حقائق وأسرار تجاوز الحدود الدستورية والقانونية المقررة للتعليق على الأحكام، وتدخل بصورة غير جائزة في شؤون العدالة، وعرض القضاء والقضاة للإساءة والتشكيك الصريح في نزاهتهم واستقلالهم أمام الجمهور.

 

وبحسب البيان، لم يقتصر الاعتراض على اختلاف مهني مع مضمون الحلقة، بل امتد إلى اتهام المشاركين بتعمد إثارة الرأي العام ضد إحدى سلطات الدولة وزعزعة الثقة العامة في أحكام نهائية وباتة.

 

وفي المقابل، أكد النادي أن حرية الرأي والتعبير ليست حقًا مطلقًا، ولا يجوز استخدامها للنيل من القضاء، مطالبًا وسائل الإعلام بالالتزام الكامل بالدقة والمسؤولية عند تناول القضاة والأحكام وحجيتها القانونية.

 

وتعود جذور الأزمة إلى حكم محكمة النقض الصادر في قضية وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي، بعدما رفضت المحكمة طعنيها وأيدت إلزامها بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه للكاتبة سهير عبد الحميد.

 

كما قضى الحكم بسحب الكتاب محل النزاع من الأسواق، بعد ثبوت التعدي على حقوق الملكية الفكرية، ليصبح نهائيًا وباتًا، وتتقدم جيهان زكي باستقالتها التي قبلها رئيس مجلس الوزراء لاحقًا بصورة رسمية.

 

ولذلك، لم يعد الجدل متعلقًا بخلاف أدبي محدود، بل بوزيرة غادرت منصبها عقب حكم نهائي، وبنقاش إعلامي حاول تفسير التداعيات، قبل أن يتحول سريعًا إلى مواجهة معلنة مع نادي القضاة.

 

ومن ثم، يصبح السؤال الأساسي متعلقًا بالفارق بين نقد الأثر العام للحكم والطعن في نزاهة المحكمة، وهو فارق ينبغي ضبطه بالنصوص والعبارات الفعلية الواضحة، لا بالاكتفاء بتوصيفات واسعة قابلة للتمدد.

 

غير أن بيان النادي لم ينشر النص الكامل للعبارات محل البلاغ، ما جعل الرأي العام أمام روايتين متعارضتين، إحداهما تتحدث عن إساءة للقضاء، والأخرى تنفي التعليق على الحكم من أساسه.

 

اعتذار ودفاع مضاد

 

وأعلن محمد الباز اعتذاره عن أي عبارات قد تكون فهمت على غير مقصودها، مؤكدًا احترامه الكامل للقضاء المصري وأحكامه، وأن حديثه لم يستهدف الإساءة أو التشكيك أو الانتقاص من حجية الحكم.

 

علاوة على ذلك، أوضح الباز أن مداخلته جاءت لمناقشة الحكم المتعلق بجيهان زكي، لكنه أقر بأن صياغته ربما حملت دلالات غير مقصودة، فاختار الاعتذار ومحاولة إنهاء الأزمة قبل تصعيدها قضائيًا.

 

أما مصطفى بكري، فنفى بصورة مباشرة أن يكون قد علق على حكم محكمة النقض، وقال إن حديثه اقتصر على الإشادة باحترام الوزيرة السابقة للحكم وتقديم استقالتها، وانتقاد الحملة الإلكترونية ضدها.

 

وبناءً على ذلك، أبدى بكري دهشته من بيان نادي القضاة، وطالب بإبراز عبارة واحدة تثبت انتقاده للحكم، معلنًا استعداده الكامل للمثول أمام أي جهة تحقيق إذا طلب منه ذلك رسميًا.

 

وفي الوقت نفسه، استند بكري إلى تاريخه في الدفاع عن القضاء واستقلاله، وإلى كتابه الإخوان والقضاء، في محاولة لنفي شبهة العداء للمؤسسة، لكن التاريخ السياسي لا يحسم وحده مضمون الحلقة.

 

وعليه، فإن التحقق العادل يتطلب مراجعة التسجيل كاملًا وسياقه، بدل محاكمة النوايا أو الاعتماد على مقتطفات، لأن الإدانة المهنية أو القانونية يجب أن تقوم على عبارات محددة وتأثير واضح ومثبت.

 

وقرر نقيب الصحفيين خالد البلشي مرافقة الباز وبكري في زيارة إلى نادي قضاة مصر، في السادسة من مساء الاثنين، لاحتواء التداعيات وفتح مسار مؤسسي يمنع تحول الخلاف إلى مواجهة ممتدة.

 

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الزيارة إلى جلسة اعتذار أحادية تضع الصحفيين في موقع المتهم قبل التحقيق، بل يجب أن تناقش حق القضاء في الحماية وحق الإعلام في تناول الشأن العام.

 

وساطة تحت الاختبار

 

إضافة إلى ذلك، يحمل تدخل نقيب الصحفيين دلالة مهمة، لأن الأزمة تمس مجال عمل الصحافة وحرية التعليق، وتتطلب ضمان عدم استخدام البلاغات لإنتاج رقابة ذاتية تخيف الإعلاميين من مناقشة القضايا العامة.

 

ومن ناحية أخرى، يملك نادي القضاة حق الدفاع عن أعضائه ومواجهة التشهير، لكن هذا الحق لا يمنحه سلطة تحصين الأحكام من النقد القانوني أو الأكاديمي أو الصحفي المنضبط الذي لا يهين القضاة.

 

على الجانب الآخر، يفرض العمل الإعلامي التمييز بين مناقشة الحكم وبين اتهام القاضي بالانحياز أو الفساد دون دليل، لأن التشكيك المجرد قد يضر بحقوق الخصوم ويحول المنصات الإعلامية إلى محاكم شعبية.

 

وفوق ذلك، تكشف الواقعة هشاشة العلاقة بين الإعلام ومؤسسات الدولة، إذ تتحول جملة محتملة التأويل سريعًا إلى بلاغات واعتذارات ووساطات، بدل وجود قواعد واضحة ومستقرة وعادلة تحكم التغطية القضائية والنقاش العام.

 

ثم إن حماية الثقة في العدالة لا تتحقق بمنع الأسئلة، بل بنشر الأحكام وحيثياتها وإتاحة مناقشتها، لأن الثقة المستدامة تنشأ من الشفافية والتسبيب، لا من مطالبة الجمهور بالصمت أمام النتائج.

 

وبصورة أوسع، جاءت أزمة جيهان زكي لتكشف تداخل المسؤولية القانونية والسياسية، فقد أصبح الحكم نهائيًا وتبعته استقالة وزارية، ما يجعل مناقشة آثاره على السلطة والثقافة حقًا أصيلًا ومشروعًا للإعلام والصحافة.

 

كذلك، يجب ألا يصبح وصف الحكم بأنه نهائي وبات مانعًا من تحليله أو انتقاده، فالحجية تمنع إعادة النزاع القضائي ذاته، لكنها لا تلغي البحث القانوني أو مساءلة المسؤولية السياسية المترتبة عليه.

 

وأخيرًا، سيحدد مسار البلاغ والزيارة ما إذا كانت الأزمة ستنتهي بتوضيح مهني واتفاق على قواعد التغطية، أم تتحول إلى سابقة توسع حدود تجريم التعليق وتزيد خوف الإعلام من الاقتراب من القضاء.

وفي المحصلة، تحتاج الدولة إلى قضاء مصون وإعلام حر في الوقت نفسه، لأن إهانة القضاة تضر العدالة، لكن تحصين المؤسسات من النقد يضرها أيضًا، والحل في التحقيق الشفاف لا المجاملات المغلقة.