أطلق أهالي قرية كفر أبو حطب استغاثة عاجلة إلى وزارة الموارد المائية والري والجهات التنفيذية بعد انسداد تحويلة ترعة شرشيمة وتعطل وصول مياه الري واضطرار مزارعين لاستخدام مياه الصرف بما يهدد المحاصيل وصحة السكان.
ويفضح المشهد عجزًا إداريًا فادحًا يترك الفلاح بين موت الزرع وتلويثه بينما يتعامل مسؤول مع الكارثة بعبارة أنا أعملكم إيه في إهانة تكشف سقوط أبسط معاني المسؤولية والرقابة وحماية الحق في الغذاء الآمن.
وبالتالي لم تعد الأزمة مجرد شكوى محلية حول تطهير مجرى مائي بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والصحة العامة لأن المحاصيل المروية بمياه الصرف قد تصل إلى الأسواق وتحمل معها ملوثات وأمراضًا خطيرة.
كما أن استمرار انسداد التحويلة يضع آلاف الأفدنة أمام خطر الجفاف أو الري بمياه غير صالحة ويجبر المزارعين على الاختيار بين خسارة موسم كامل أو المجازفة بإنتاج قد يضر المستهلكين ويقوض الثقة في سلامة الغذاء.
ولزيادة خطورة الموقف أكد الأهالي أن مياه الري الطبيعية توقفت بسبب الانسداد وأن استخدام الصرف لم يكن خيارًا تجاريًا بل حلًا اضطراريًا لإنقاذ المحاصيل وهو ما يضاعف مسؤولية الجهات التي تركت الأزمة تتفاقم دون تدخل.
مياه الصرف فوق الحقول
لذلك فإن أول واجب على وزارة الري هو تطهير تحويلة ترعة شرشيمة فورًا وإعادة تدفق المياه الطبيعية لأن كل يوم تأخير يزيد مساحة الأراضي المتضررة ويرفع احتمالات تلوث التربة والمزروعات وتسرب الملوثات إلى البيئة المحيطة.
ومن ثم يجب فحص نوعية المياه التي استخدمت خلال فترة الأزمة وتحديد المساحات التي تعرضت للري بالصرف بدل ترك المحاصيل تنتقل إلى الأسواق بلا رقابة أو تحاليل تضمن خلوها من الملوثات الكيميائية والميكروبية.
غير أن غياب بيان رسمي يحدد أسباب الانسداد وموعد الإصلاح وحجم الأراضي المتأثرة يفتح الباب للشائعات ويترك الفلاحين وحدهم أمام خسائرهم بينما تستمر الجهات التنفيذية في التعامل مع الكارثة كأنها مشكلة هامشية.
علاوة على ذلك قد يؤدي الري بمياه الصرف غير المعالجة إلى تراكم ملوثات داخل التربة والمحاصيل وإصابة العاملين والسكان بأمراض متعددة وهو ما يجعل القضية صحية وبيئية وزراعية لا مجرد عطل فني في ترعة.
وبناء على ذلك ينبغي لمديرية الصحة والزراعة أخذ عينات من المياه والتربة والمحاصيل وتوثيق النتائج علنًا لأن حماية المواطنين لا تتحقق بطمأنة لفظية بل بقياسات مستقلة تحدد ما إذا كانت المنتجات آمنة للاستهلاك.
وفي السياق نفسه يجب منع تداول أي محصول يثبت تعرضه لمياه ملوثة بدرجات خطرة مع تعويض المزارعين بدل تحميلهم وحدهم ثمن فشل الإدارة لأن إجبارهم على التخلص من إنتاجهم دون دعم سيضيف كارثة اقتصادية إلى الصحية.
وفوق ذلك تحتاج القرية إلى خطة طوارئ توفر مصادر ري بديلة مؤقتة عند تعطل التحويلة بدل دفع المزارعين إلى مياه الصرف لأن إدارة الأزمات لا تبدأ بعد انتشار التلوث بل قبل وصول الناس إلى حلول يائسة.
تجاهل يهين المزارعين
وعليه أثارت العبارة المنسوبة إلى أحد المسؤولين غضب الأهالي لأنها لم تقدم تفسيرًا أو حلًا بل حملت استعلاءً على أصحاب حق يطالبون بحماية أراضيهم ومصدر رزقهم وصحة أسرهم من خطر لا يملكون وحدهم أدوات مواجهته.
ومع ذلك لا تكفي إدانة العبارة أخلاقيًا بل يجب تحديد صاحبها والاستماع إليه والتحقق من سياقها ومحاسبته إذا ثبت تقاعسه لأن الموظف العام ليس متفضلًا على المواطنين بل مكلف بالاستجابة لشكاواهم وحماية مصالحهم.
إضافة إلى ذلك تكشف الأزمة ضعف قنوات الشكاوى المحلية إذ اضطر الأهالي إلى إطلاق استغاثة علنية بعد فشل التواصل المباشر وهو ما يعني أن الجهاز التنفيذي لا يتحرك إلا تحت ضغط الغضب وانتشار القضية.
ومن ناحية أخرى فإن تطهير الترع وصيانة التحويلات أعمال دورية يفترض تنفيذها قبل انسدادها الكامل لذلك يجب التحقيق في جداول التطهير السابقة ومخصصاتها والجهة التي تسلمت الأعمال وما إذا كانت الصيانة تمت فعلًا أم بقيت على الورق.
على الجانب الآخر يحتاج المزارعون إلى تمثيل فعلي في متابعة أعمال الري داخل القرية من خلال لجنة معلنة تضم ممثلين عن الأهالي والزراعة والري حتى لا تظل القرارات الفنية حكرًا على مكاتب بعيدة عن الأرض المتضررة.
ثم إن حماية الرقعة الزراعية لا تتحقق بالشعارات الرسمية عن الأمن الغذائي بينما تترك قرية كاملة بلا مياه ري لأن كل فدان يتلف نتيجة الإهمال يرفع كلفة الغذاء ويقلل دخل الأسر ويزيد الاعتماد على الواردات.
وبصورة أوسع تعكس واقعة كفر أبو حطب فجوة بين الإنفاق الحكومي المعلن وبين جودة الخدمات في الريف حيث يواجه الفلاح انسداد الترع ونقص المياه وتراكم المخلفات ثم يسمع خطابًا رسميًا عن تحديث الزراعة وزيادة الإنتاج.
خطر يهدد الجميع
كذلك فإن وصول محاصيل مروية بمياه الصرف إلى المواطنين يعني أن ضرر الأزمة لن يتوقف عند حدود القرية بل قد ينتقل إلى أسواق ومنازل بعيدة بما يحول الإهمال المحلي إلى تهديد واسع للصحة العامة.
وفي المقابل تتحمل الجهات الرقابية مسؤولية مراجعة سلامة المحاصيل قبل طرحها وفرض تتبع واضح لمصدر المنتجات لأن المستهلك لا يستطيع معرفة نوع المياه المستخدمة ولا ينبغي تركه يدفع ثمن غياب الرقابة الحكومية.
أما وزارة الموارد المائية والري فعليها إعلان جدول زمني محدد لتطهير التحويلة وإعادة التشغيل ونشر نتائج المعاينة الفنية بدل الاكتفاء بإرسال معدات مؤقتة قد تعالج الانسداد اليوم ثم تترك أسبابه تعود غدًا.
وفي الوقت ذاته يجب توفير تعويضات عاجلة للمزارعين الذين تضررت أراضيهم أو اضطروا لشراء مياه أو تكبدوا خسائر بسبب تعطل الري لأن الأزمة نتجت عن مرفق عام لم تؤد الجهة المسؤولة واجب صيانته.
وأخيرًا تحتاج الواقعة إلى تحقيق إداري وفني مستقل يحدد أسباب الانسداد والمسؤول عن التأخير وحجم الضرر الصحي والزراعي ويعلن نتائجه للرأي العام حتى لا تتحول الاستغاثة إلى خبر عابر ثم تعود الأزمة بصورة أشد.
وفي المحصلة لا يطلب أهالي كفر أبو حطب امتيازًا بل ماء ري آمنًا ومسؤولًا يسمعهم ودولة تحمي غذاء مواطنيها أما استمرار الصمت فيعني قبول زراعة الخطر وتوزيع فاتورته بين الفلاح والمستهلك معًا.

