يواجه وزير التربية والتعليم والتعليم الفني حصارًا برلمانيًا متصاعدًا بعد تقديم سؤالين رسميين و10 طلبات إحاطة بشأن أزمة نحو 160 ألف معلم يعملون بنظام الحصة داخل المدارس الحكومية، وسط مطالب باستدعائه إلى مجلس النواب وإجباره على تقديم جدول زمني واضح للتعاقد والتثبيت وتحسين الأجور. ولم تعد القضية مجرد شكاوى فردية من تأخر المستحقات، بل تحولت إلى ملف يكشف اعتماد الوزارة لسنوات على جيش من المعلمين لسد العجز داخل الفصول، ثم تركهم بلا عقود مستقرة أو تأمينات أو ضمانات تحميهم من الفصل والاستبعاد.
وجاء أحدث التحركات من النائب محمد عطا، الذي تقدم بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم بشأن الأوضاع الوظيفية والمعيشية لنحو 160 ألف معلم بالحصة، مؤكدًا أنهم يمثلون أحد الأعمدة الرئيسية للعملية التعليمية بعد عملهم داخل المدارس لأكثر من أربع سنوات. وطالب بإحالة الملف إلى لجنة التعليم واستدعاء الوزير، مع وضع آلية عاجلة للتعاقد الدائم وتبسيط إجراءات التعيين والاعتداد بملفات الخدمة والخبرة العملية.
ولا يبدو رقم 12 أداة رقابية برلمانية، موزعة بين سؤالين و10 طلبات إحاطة، مجرد رقم عابر، بل يعكس اتساع الغضب من سياسة وزارة التعليم التي تستخدم معلمي الحصة عند الحاجة، ثم تتعامل معهم باعتبارهم قوة مؤقتة يمكن الاستغناء عنها عند انتهاء العام الدراسي أو ظهور تعليمات مالية وإدارية جديدة.
معلمون بلا حقوق
وتعتمد مدارس عديدة على معلمي الحصة لمواجهة العجز المزمن في هيئات التدريس، خصوصًا في المواد الأساسية والمناطق الأكثر احتياجًا، لكن هؤلاء يؤدون الأعمال نفسها التي يؤديها المعلم المعين من شرح ومتابعة وامتحانات وتحمل مسؤولية الفصول، من دون الحصول على الحقوق الوظيفية نفسها.
وتتلخص شكاوى هذه الفئة في تدني أجر الحصة، وعدم انتظام صرف المستحقات، وغياب التأمينات الاجتماعية والصحية، فضلًا عن عدم وجود عقد دائم يضمن استمرار العمل. ويعني ذلك أن المعلم قد يقضي سنوات داخل المدرسة ثم يجد نفسه خارجها بقرار إداري، من دون مكافأة أو حماية قانونية أو مسار مهني واضح.
وأكد طلب الإحاطة المقدم من محمد عطا أن معلمي الحصة تحملوا أعباء التدريس لأكثر من أربع سنوات واكتسبوا خبرات تربوية وميدانية، بينما ظل المقابل المالي الذي يحصلون عليه غير متناسب مع مسؤولياتهم أو الظروف الاقتصادية الراهنة، بما يهدد استقرار المدارس واستدامة العملية التعليمية نفسها.
وتكشف هذه الأوضاع عن مفارقة قاسية، إذ تعترف الوزارة عمليًا بحاجتها إلى هؤلاء المعلمين كل عام، لكنها ترفض منحهم الاستقرار الذي يتناسب مع هذا الاحتياج. فالدولة لا تستطيع سد العجز من دونهم، وفي الوقت نفسه لا تريد تحمل التكلفة المالية والإدارية المترتبة على تعيينهم رسميًا.
ويرى نواب أن سنوات الخدمة الفعلية داخل المدارس يجب أن تمنح معلمي الحصة الأولوية في التعاقد، بدل إجبارهم على بدء الرحلة من الصفر في مسابقات جديدة قد تستبعد بعضهم بسبب شروط لا ترتبط بالكفاءة التدريسية، رغم إثباتهم قدرتهم على إدارة الفصول طوال سنوات.
اختبارات تهدر سنوات الخدمة
تركز طلبات الإحاطة على ضرورة تبسيط إجراءات تعيين معلمي الحصة، والاكتفاء باختبارات الكفاءة التربوية والمهنية عند تنظيم أي مسابقة، مع إعفائهم من الاختبارات البدنية المتعلقة باللياقة والهيئة والطول والوزن، باعتبار أنها لا تقيس قدرة المعلم على الشرح أو إدارة الفصل.
وقال النائب محمد عطا إن ممارسة التدريس على مدار أكثر من أربع سنوات تعد إثباتًا عمليًا للكفاءة والقدرة على أداء مهام الوظيفة، وطالب بالاعتداد بملفات الخدمة الحالية وتقليل الأوراق والمتطلبات الإدارية التي قد تحرم معلمين ذوي خبرة من فرصة التعاقد.
ولا يعارض المعلمون تقييم الكفاءة، لكنهم يرفضون أن تتحول المسابقات إلى وسيلة لمحو سنوات العمل السابقة أو إعادة تصنيفهم باعتبارهم متقدمين جددًا لا خبرة لهم. كما يطالبون بأن تكون المعايير واضحة ومعلنة، وألا تتغير بين مسابقة وأخرى أو بين مديرية تعليمية وأخرى.
وتثير الاختبارات البدنية خصوصًا غضب معلمين تجاوز بعضهم سن 45 عامًا، بعدما أمضوا سنوات في التدريس الفعلي. فنجاح شخص في ضبط فصل وشرح المناهج وتقييم الطلاب يبدو أكثر اتصالًا بمهنة التعليم من قياس وزنه أو طوله أو إخضاعه لاختبار هيئة بعد سنوات من ممارسته الوظيفة.
وقد وجه النائب إيهاب رمزي سؤالًا بشأن تطبيق الحد الأدنى للأجور على المعلمين فوق سن 45 عامًا، بينما سأل النائب أشرف أمين عن معايير الاستعانة بمعلمي الحصة وضوابط تحديد أجورهم. وتضيف هذه الأسئلة إلى طلبات الإحاطة ضغطًا مباشرًا على الوزارة للكشف عن قواعد التشغيل والأجر والاستبعاد.
وزير التعليم أمام المساءلة
وضم التحرك البرلماني أسماء نواب من اتجاهات ولجان مختلفة، بينهم محمد شعبان عطا وبسام الصواف ورائف تمراز، إلى جانب نواب حزب النور أحمد خليل خير الله ومحمود رشاد حبيب وأحمد سعيد أبو عمر، وطلبات سابقة من لطفي شحاتة ومحمد الصالحي ومحمد الدامي.
وتمنح اللائحة الداخلية لمجلس النواب كل عضو حق توجيه طلب إحاطة إلى رئيس الوزراء أو الوزير المختص في أمر ذي أهمية عامة، كما تسمح بإحالة الموضوع إلى اللجنة المختصة لإعداد تقرير عاجل، وهو ما يضع الوزير أمام مسؤولية تقديم إجابة محددة بدل الاكتفاء بالوعود العامة.
لكن الأزمة لا تحتاج إلى جلسة جديدة تنتهي بتوصيات محفوظة في الأدراج، بل إلى قرارات مالية وتنفيذية ملزمة تبدأ بحصر دقيق لأعداد معلمي الحصة وسنوات خدمتهم وتخصصاتهم، ثم وضع درجات أو عقود مستقرة وخطة زمنية معلنة للتعاقد معهم.
كما يجب ضمان حد أدنى عادل للأجر، وانتظام الصرف، وإدخال المعلمين في منظومة التأمين الاجتماعي والصحي، لأن استمرار تشغيلهم بلا حماية لا يمكن وصفه بغير الاستغلال الوظيفي، خصوصًا أن المدارس تحصل منهم على عمل كامل بينما تمنحهم حقوقًا منقوصة.
وتتحمل الحكومة مسؤولية العجز المتراكم الذي دفعها إلى الاستعانة بمعلمي الحصة، فلا يجوز أن تنقل كلفة فشلها في التخطيط والتعيين إلى المعلم نفسه. كما لا يجوز أن تستخدم شعار «الظروف المالية» لتبرير حرمان 160 ألف شخص من الاستقرار، في وقت تعتمد عليهم المنظومة يوميًا.
إن كثافة التحركات البرلمانية تعني أن الوزير لم يعد قادرًا على التعامل مع الملف بوصفه شأنًا موسميًا ينتهي بانتهاء الدراسة. فسؤالان و10 طلبات إحاطة تمثل اتهامًا سياسيًا واضحًا للوزارة بالمماطلة وترك أزمة واسعة بلا حل رغم تكرار الوعود.
ويبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان مجلس النواب سيواصل الضغط حتى صدور قرارات تنفيذية، أم ستتحول الأدوات الرقابية إلى مجرد تنفيس للغضب. أما معلمو الحصة، فقد قدموا بالفعل ما يثبت أحقيتهم، حين وقفوا داخل الفصول وسدوا العجز وحافظوا على استمرار الدراسة.
وبعد أكثر من أربع سنوات من العمل، لم يعد مقبولًا مطالبتهم بمزيد من الصبر أو إخضاعهم لدائرة جديدة من الاختبارات والأوراق. فإما أن تعترف الدولة بهم كمعلمين كاملين لهم حقوق، أو تعترف بأنها تدير مدارسها بعمالة مؤقتة محرومة من أبسط صور العدالة المهنية والاجتماعية.

