اعترف وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن جيش الاحتلال نفذ عمليات تدمير منهجية وواسعة في جنوب لبنان، مستنسخًا ما وصفه بـ«نموذج رفح» الذي طُبق في قطاع غزة، ومؤكدًا تسوية عشرات القرى الحدودية بالأرض وهدم ما يصل إلى 20 ألف منزل، ضمن سياسة تهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى حزام أمني تسيطر عليه إسرائيل بصورة دائمة.

ولا تبدو تصريحات كاتس مجرد استعراض لنتائج عملية عسكرية، بل إقرارًا رسميًا بأن الاحتلال انتقل من استهداف مواقع حزب الله إلى إعادة تشكيل جغرافية الجنوب اللبناني بالقوة، وفرض واقع سكاني وأمني جديد يتجاوز الحدود المعلنة لأي مواجهة مؤقتة.

 

 

تدمير منهجي وإفراغ سكاني

 

قال كاتس، خلال مقابلة مصورة نشرتها منصة إعلامية إسرائيلية، إن الجيش دمر بصورة شبه كاملة 24 قرية حدودية، مستخدمًا الجرافات والمتفجرات لإزالة المنازل والمنشآت وتسوية مناطق سكنية كاملة بالأرض.

وأضاف أن ما بين 15 ألفًا و20 ألف منزل جرى هدمها، وأن نسبة الدمار بلغت نحو 90% من الأبنية الموجودة داخل القرى المستهدفة، بحسب الأرقام التي أعلنها.

 

ووصف الوزير الإسرائيلي هذه السياسة بأنها تطبيق لـ«نموذج رفح»، في إشارة إلى عمليات التدمير والتهجير الواسعة التي شهدتها مدينة رفح وبيت حانون ومناطق أخرى من قطاع غزة.

وكان كاتس قد أعلن منذ 31 مارس 2026 أن إسرائيل ستدمر جميع المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، وأن مئات الآلاف من النازحين لن يُسمح لهم بالعودة قبل تحقيق الشروط الأمنية التي تضعها تل أبيب.

 

وتكشف هذه التصريحات أن التدمير لم يكن نتيجة جانبية للقصف أو الاشتباكات، وإنما سياسة مقررة سلفًا تستهدف إزالة البيئة العمرانية والمدنية بالكامل.

فإسرائيل لم تكتفِ بضرب مواقع قالت إن حزب الله يستخدمها، بل تعاملت مع القرى ذاتها بوصفها أهدافًا عسكرية جماعية، ما أدى إلى محو أحياء ومنازل ومدارس وطرق وبنى خدمية يحتاجها السكان للعودة إلى حياتهم.

 

وأفادت تقارير دولية بأن إسرائيل أقامت خلف ما يُسمى «الخط الأصفر» منطقة عازلة غير مأهولة تمتد في بعض المواقع إلى ثمانية كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتغطي مساحة تقدر بما بين 550 و700 كيلومتر مربع.

وتخضع هذه المنطقة للسيطرة العسكرية والمراقبة النارية الإسرائيلية، مع منع السكان من دخول عدد كبير من القرى أو الاقتراب من أراضيهم وممتلكاتهم.

 

ويعني ذلك أن إسرائيل لا تخوض عملية حدودية محدودة، بل تنفذ مشروعًا لإفراغ مساحة تعادل نحو ضعفي مساحة قطاع غزة، وفق أرقام كاتس، وتحويلها إلى منطقة تخضع لإرادتها الأمنية.

كما ينطوي منع السكان من العودة على تكريس تهجير طويل الأمد، وربط حق اللبنانيين في منازلهم وأراضيهم بتقديرات الجيش الإسرائيلي واحتياجات المستوطنات الواقعة شمال فلسطين المحتلة.

 

 

احتلال يتحدى اتفاق الإطار

 

تأتي اعترافات كاتس بعد توقيع لبنان وإسرائيل اتفاق إطار برعاية أمريكية في 26 يونيو 2026، نص على العمل لإنهاء الصراع، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق المحتلة.

غير أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين اللاحقة كشفت أن تل أبيب لا تتعامل مع الانسحاب باعتباره التزامًا واضحًا، بل ورقة مشروطة بمدى استجابة لبنان لمطالبها الأمنية والسياسية.

 

وكان كاتس قد أعلن صراحة أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من جنوب لبنان حتى لو طلبت الولايات المتحدة ذلك، فيما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن القوات ستبقى داخل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية».

وتتناقض هذه المواقف مع جوهر أي تسوية قائمة على احترام السيادة اللبنانية، كما تكشف أن الاتفاق قد يتحول إلى غطاء سياسي لإدارة الاحتلال بدلًا من إنهائه.

 

كما أعلن كاتس أن حكومته أمرت ببناء مواقع عسكرية ثابتة داخل المناطق المحتلة، وهو ما ينقل الوجود الإسرائيلي من مرحلة التوغل والعمليات المؤقتة إلى مرحلة التمركز طويل الأمد.

ويربط الاحتلال أي انسحاب محتمل بنزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان، لا في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني فقط، ما يرفع سقف الشروط إلى مستوى يسمح لإسرائيل بتأجيل الانسحاب إلى أجل غير محدد.

 

وتعيد هذه السياسة إلى اللبنانيين تجربة الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر في الجنوب من عام 1982 حتى عام 2000، حين استخدمت تل أبيب الحزام الأمني والقوات المحلية المتعاونة معها لفرض السيطرة على مساحات واسعة.

وقد نقلت وكالة أسوشيتد برس مخاوف لبنانية متزايدة من أن تتحول المنطقة العازلة الحالية إلى احتلال جديد، خصوصًا مع تدمير الجسور والطرق وعرقلة حركة المدنيين والمساعدات الإنسانية.

 

ولا ينفصل ذلك عن سياسة إسرائيلية أوسع تقوم على تحويل التفوق العسكري إلى وقائع جغرافية دائمة.

فبدلا من معالجة الحدود من خلال القانون الدولي والقرارات الأممية، تستخدم إسرائيل التدمير الشامل والتهجير لمنع السكان من العودة، ثم تقدم وجودها العسكري بوصفه ضرورة أمنية، رغم أن هذا الوجود نفسه يشكل مصدرًا مستمرًا للحرب والتوتر.

 

 

غزة نموذجًا لحرب الإبادة

 

تكمن أخطر دلالات تصريحات كاتس في تقديم غزة نموذجًا قابلًا للتكرار، بعد أن دمرت الحرب الإسرائيلية غالبية البنية العمرانية والسكنية في القطاع، وهجرت معظم سكانه ودفعتهم إلى مناطق مكتظة تفتقر إلى المياه والغذاء والرعاية الصحية.

وهكذا لم تعد غزة في الخطاب الإسرائيلي مأساة ينبغي تجنبها، بل تجربة عسكرية يجري تصديرها إلى لبنان.

 

وقد أظهرت العمليات الإسرائيلية منذ مارس 2026 أن عقيدة التدمير غير المتناسب لم تعد تستهدف إضعاف حزب الله وحده، بل البيئة المدنية التي يعيش فيها اللبنانيون.

وذكرت تقارير صحفية دولية أن القصف الإسرائيلي ألحق دمارًا هائلًا بمناطق واسعة، وأن التعامل مع المدارس والمساجد والمنشآت الثقافية والخدمية بوصفها امتدادًا لحزب الله أدى إلى تجريد المجتمع المدني كله من الحماية.

 

وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت حصيلة العدوان منذ 2 مارس 2026 إلى 4322 قتيلًا و12210 مصابين، فضلًا عن نزوح أكثر من مليون شخص.

وتكشف هذه الأرقام حجم الكلفة البشرية التي تدفعها البلاد، بينما يتحدث كاتس عن القرى والمنازل المدمرة باعتبارها إنجازًا عسكريًا، من دون الإشارة إلى مصير سكانها أو حقهم في العودة والتعويض.

 

أما مزاعم كاتس بشأن قتل تسعة آلاف من مقاتلي حزب الله واكتشاف شبكة أنفاق ممولة إيرانيًا، فلا تغير من حقيقة أن القانون الدولي لا يسمح بتحويل قرى كاملة إلى أهداف جماعية أو معاقبة سكانها بالتهجير الدائم. وحتى وجود منشآت عسكرية داخل بعض المناطق لا يمنح الاحتلال تفويضًا بمحو التجمعات السكانية أو السيطرة على الأراضي اللبنانية.

 

وتضع اعترافات وزير الحرب الإسرائيلي المجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة، لأنها لا تتعلق باتهامات صادرة عن جهات لبنانية أو حقوقية، بل بتصريحات رسمية تؤكد وجود سياسة للتدمير والإخلاء والاحتلال. واستمرار الصمت الدولي، أو الاكتفاء بالدعوات العامة إلى ضبط النفس، يمنح إسرائيل عمليًا مساحة لاستكمال تحويل جنوب لبنان إلى نسخة أخرى من غزة.

 

وفي المحصلة، يكشف خطاب كاتس أن الهدف الإسرائيلي تجاوز إبعاد حزب الله عن الحدود إلى فرض منطقة منزوعة السكان تخضع للاحتلال، بعد تدمير مقومات الحياة فيها.

وبينما تتحدث واشنطن عن اتفاق لإنهاء الصراع، تواصل إسرائيل بناء المواقع العسكرية ومنع النازحين من العودة، في مشهد يؤكد أن «نموذج رفح» لم يكن وصفًا بل خطة متكاملة لمحو المكان وتهجير أهله وإعادة رسم الحدود بالنار.