صلاح الدين الجورشي
محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس
عادت بي الذاكرة إلى صبيحة ذلك اليوم الذي اقتحمت فيه الدبابات الأميركية المنطقة الخضراء في العراق، وشرعت في البحث عن الرئيس صدّام حسين الذي ظن أنه في مكان آمن، لكن أحد أقاربه باعه بكل سهولة. وبقطع النظر عن الأخطاء الكارثية التي ارتكبها الرجل، بدءًا بالكشف عن مشروع العراق النووي، وصولًا إلى استعراض القوة العسكرية في احتلاله للكويت، مهدّدًا دول الخليج التي موّلته ودعمته في حربه على إيران، استخفافًا منه بموازين القوى العسكرية على الصعيدين الدولي والإقليمي، وهو سلوكٌ غريبٌ أدّى به إلى الانتحار، حيث وقف العالم يتفرّج على عملية الإعدام التي أشرف عليها الأميركان، بعد اختيار عيد الأضحى موعدًا لتنفيذ حكمهم تنكيلًا وانتقامًا.
قفز هذا الحدث المؤلم في ذهني، وأنا أتابع الأخبار والصور التي نقلتها وسائل الإعلام، وكشفت عن شبكة فساد عبثت بثروات العراق وبقوت أهله. وقيل إن ما جرى إعلانه ليس سوى مرحلة أولى من حملة يقوم بها حاليًا رئيس الحكومة الجديد، علي الزيدي، وإن هذه الحملة أسفرت عن مصادرة 11 مليار دولار و98 مليون دينار نقدًا، الى جانب سبائك ذهب وعقارات. كما قيل أيضًا إن الأجهزة الأمنية دَهَمت منزل النائبة هند العباسي، وضبطت عندها ما قدره 57 مليون دولار و27 كيلوغرامًا من الذهب الخالص. ومن بين الأرقام المتداولة بين العراقيين أنه بعد 23 عامًا تمت سرقة 1500 مليار دولار، وهناك من يؤكّد أن "العراق يعاني حاليًا من حالة إفلاس غير معلن".
ذكّرت هذه العناوين المتابعين بمغارة علي بابا، وما كانت تخفيه من كنوز. بحسب المصادر المحلية، المضنون بهم من أسر كبيرة، منهم مسؤولون ونواب في البرلمان، وغيرهم من ذوي الشأن والنفوذ، فمسارهم يشبه سابقهم، فمن أراد الإثراء السريع والفاحش عليه أن يتسلّق أجهزة الدولة أن يستعين بها حتى تسمح له بالاستيلاء على المال العام، بحجة أن هذه الأجهزة توفر له الحصانة، وتجعل منه شخصًا فوق القانون. والمهم في هذا السياق ليس مدى دقّة الأرقام والتفاصيل والحيثيات ومدى صحتها، وإنما وجوب التوقّف عند ظاهرة الفساد التي عمت المنطقة، ولا تكاد تستثني أي بلد، والتي تكشفت عن جزء من أسباب الخلل الكبير الذي قوّض أركان الدولة في العالم العربي.
ليست المرّة الأولى التي يتم فيها إثارة ملف الفساد في العراق، فجميع الحكومات التي تعاقبت على إدارة شؤون البلاد اتهمت بالفساد، واشتغلت على محاربة الفساد، وقيل أيضًا إنها انتقلت من المعارضة الى السلطة بفعل الرشاوى والصفقات المشبوهة. هذا ما يردّده الشارع العراقي بدون تحفظ، وهو ما تعكسه تقارير المنظمات الدولية المختصة في الشفافية.
مؤكّد أن العراق مريض بنخبته التي بدل أن تنهض ببلدها العظيم والعريق، وتبني على ما تحقق في عهد صدّام وحزب البعث والتخلص من عوامل الاستبداد والتغول، فعلت العكس، حيث انغمست في مستنقعات الفساد، وأسّست نظامًا سياسيًا قائمًا على الطوائف والمحاصصة والمحسوبية، واعتمدت على المليشيات وغيبت الكفاءات. وهو ما جعل كثيرين يردّدون إن العراق لا يحكم إلا بدكتاتورية بيد من حديد، وهذا قول فاسد ما لا يتمناه كل محب لشعب عظيم مثل الشعب العراقي.
الديمقراطية نظام يمكن اعتماده في أي بلد، عندما يجري حسن تنزيله في الواقع المحلي وبحسب الشروط والإمكانات المتوفرة. لا تنجح الديمقراطية في ظل نظام فاسد وهجين. كما أنها تتحوّل إلى خدعة جماعية تدار من وراء ستار، وتتحكم في دواليبها حيتان ضخمة تسبح في المياه العفنة، وتحوّل مواطنيها إلى بيادق تديرها في كل الاتجاهات وفق ما تمليه مصالحها وتحالفاتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية. في مثل هذه الحالة يتحول شعار الديمقراطية إلى أشبه بالسم الزعاف، وتصبح الشعوب على أتم الاستعداد لتكفر بالديمقراطية ودعاتها.

