بقلم/ الدكتور عبد الله سيف
ليست كل الهزائم في التاريخ الإنساني متشابهة؛ فهناك خسارات يتقبلها العقل الجمعي ويدمجها في وعيه لأنها نتاج تفوق صريح للمنافس، وهناك انكسارات تترك ندبة نفسية غائرة لأنها تأتي في اللحظة التي بدأ فيها اللسان يتذوق طعم الانتصار. ومن هذا النوع الصادم كانت خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين في مونديال 2026؛ حيث لم يشعر المصريون بمجرد ضياع مباراة، بل بتبخر حلم كان قاب قوسين أو أدنى من التحقق. هذه اللحظة الدراماتيكية في عالم كرة القدم ليست سوى محاكاة مصغرة ومكثفة لحدث تاريخي أكبر، عاشه العقل الجمعي المصري بكل تفاصيله وتجلياته النفسية والسياسية في ثورة 25 يناير 2011، لينسج التاريخ خيطاً رابطاً يكشف عن بنية سلوكية ونفسية متطابقة تعيد إنتاج النتيجة ذاتها: الانهيار عند خط النهاية.

 

في كلا المشهدين، انطلق العقل الجمعي المصري بطاقة قتالية جبارة وجسارة مبهرة؛ ففي المونديال، وقف المنتخب بندية وشراسة أذهلت الجميع، تماماً كما تجلت "صناعة الملحمة" في أبهى صورها خلال ثمانية عشر يوماً من التلاحم الأسطوري في ميدان التحرير. لكن الكارثة النفسية بدأت مع اقتراب الهدف، وهي ظاهرة تُعرف في علم النفس الرياضي والاجتماعي بـ "وهم اكتمال المهمة". بمجرد التقدم أو الاقتراب من حسم اللقاء أمام الأرجنتين، أرسل العقل إشارات طمأنينة استباقية تسببت في هبوط الأدرينالين والاسترخاء الذهني والبدني، وهي اللحظة ذاتها التي تكررت سياسياً في 11 فبراير عندما اعتبر العقل الجمعي أن "إسقاط رأس النظام" يعني نهاية المعركة، فنزل الناس للاحتفال في حين كان المنافس المنظم يعيد ترتيب صفوفه في الوقت بدل الضائع.

 

هذا التراخي قاد تلقائياً إلى فخ نفسي آخر، وهو التحول من "الهجوم لانتزاع النصر" إلى "الدفاع للحفاظ على المكسب". وعندما ينتقل الإنسان إلى عقلية الدفاع والحذر، يتسلل الخوف إلى قراراته وتتراجع جرأته، ليتحول الأداء إلى تيبس فكري وعضلي؛ ففي الملعب تراجع اللاعبون واستقبلوا الأهداف كالمطر، وفي الواقع السياسي تشرذمت القوى الثورية وانشغلت بمعارك بروتوكولية ودستورية ضيقة نابعة من الخوف والتوجس، مما أفقد الحالة بريقها ومبادرتها وفتح الباب على مصراعيه للانهيار التام.

 

ولم يكن المشهد ليمر دون إبراز أزمة القيادة وعبء الرمزية؛ فالقائد يحمل العبء الانفعالي للمجموعة بأكملها عبر ما يُسمى "العدوى العاطفية". وبينما ظهر ليونيل ميسي بعقلية المُطارد الشرس الذي يقاتل حتى الرمق الأخير ناقلاً الروح لفريقه، بدا محمد صلاح مكبلاً بالتوقعات الجماهيرية والإنهاك النفسي لتنكمش حركته وتنتقل حيرته لزملائه. هذه المفارقة تجلت في الثورة بشكل معكوس ومؤلم؛ فبينما تميزت البدايات بأنها بلا قائد لحمايتها، تحول غياب القيادة الديناميكية الموحدة في الثلث الأخير إلى مقتل، حيث أصيبت النخب التي تصدرت المشهد بالتردد والصراعات الجانبية، ولم تكن هناك رأس واحدة تمتلك الشراسة الكافية لتوجيه دفة الشارع وحمايته من الهجمات المرتدة للخصم.

وحين استيقظ العقل على صدمة الانهيار بعد اقتراب المجد، تملص من مرارة الاعتراف بالقصور الذاتي عبر حيلة "التبرير الخارجي" لحماية الأنا الجمعية من التحطم؛ فتمحور الحديث كروياً حول أخطاء الحكم وتقنية الفار، وتحول سياسياً إلى التركيز الحصري على المؤامرات الخارجية وخيانة الفصائل، ورغم واقعية بعض هذه العوامل، إلا أن الإفراط في استخدامها كشماعة مريحة حجب الرؤية عن الدرس الأهم: أننا فرطنا في الفوز بأيدينا نتيجة تداخل بين إنهاك نفسي حاد يستهلك طاقة الإرادة سريعاً، وسمة سلوكية وثقافية تقدس "الفزعة" والبدايات الملحمية على حساب النفس الطويل.

 

ولتحصين الوعي الجمعي من سحر هذه البدايات المتبوعة بالانسحاب المبكر، تبرز الحاجة إلى حلول عملية تبدأ من المنظومة التربوية والمعرفية عبر ترسيخ "ثقافة الصافرة"، وتربية النشء على أن النصر لا يتحقق إلا مع الخواتيم، وأن المباراة 90 دقيقة والمشاريع السياسية ممارسات ممتدة لسنوات. ويتكامل هذا الدور مع التحول المؤسسي من "الهبّة العاطفية المؤقتة" إلى مأسسة الحماس من خلال خطط بديلة تفترض أسوأ السيناريوهات في لحظات التميز. وأخيراً، يأتي التدريب النفسي والسلوكي على إدارة الوفرة والنفس الطويل، لإدراك أن مرحلة الحفاظ على الإنجاز تتطلب أعصاباً أبرد، وتفاوضاً أعمق، ويقظة قتالية مستمرة، لأن أخطر لحظات الرحلة هي دائماً تلك اللحظة التي نظن فيها أن الرحلة قد انتهت.