جلت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة الدعوى رقم 75315 لسنة 79 قضائية إلى جلسة 5 ديسمبر في القاهرة، لفحص ردود الجهات الرسمية على تنظيم تداول جابابنتين، بما أبقى الحسم القانوني معلقا وأطال انتظار الرقابة الحاسمة .
ويكشف التأجيل أن الدولة لم تتحرك إلا بعد وصول الخطر إلى ساحات القضاء، بينما تُرك المرضى والشباب سنوات أمام سوق دوائية رخوة، تتسع فيها المبيعات وتضيق فيها الشفافية، ويُستبدل التدخل الوقائي بردود متأخرة لا تعالج أصل الأزمة.
وبحسب صحيفة الدعوى، اختصم المحامي هاني سامح رئيس هيئة الدواء ووزير الصحة والنائب العام ورئيس الرقابة الإدارية ورئيس الوزراء، مطالبا بإجراءات عاجلة ضد انتشار العقار كمخدر بديل، والتحقيق في تضخم إنتاجه وتسويقه خارج الاحتياجات العلاجية .
وفي المقابل، قدمت هيئة الدواء دليلا تنظيميا جديدا يضع المستحضرات المحتوية على جابابنتين ضمن أدوية قد يساء استخدامها، ويمد الرقابة من الاستيراد والإنتاج إلى التخزين والتوزيع والصرف، لكنه لا يجيب وحده عن سنوات الانفلات السابقة .
ومن ثم، لا تدور القضية حول شيطنة دواء ضروري، بل حول سلطة رقابية سمحت بفجوة بين الاستخدام الطبي والتداول التجاري، ثم تحركت بعدما صارت إساءة الاستعمال واقعا معروفا، من دون نشر بيانات تكشف حجم المبيعات أو مسارات التسرب.
كما أن الدعوى تربط توسع استخدام جابابنتين بإدراج بريجابالين ضمن جداول المواد المخدرة عام 2019، بما دفع بعض المتعاطين إلى بديل أرخص وأسهل حصولا، وهو تحول كان يفترض أن ترصده أجهزة اليقظة الدوائية قبل المحامين والمحاكم .
لذلك، تطالب الدعوى بإدراج جميع تركيزات العقار وأسمائه التجارية ضمن الجداول المنظمة، وقصر صرفه على وصفات معتمدة، وفتح تحقيق في الشركات التي ضاعفت الإنتاج، مع مصادرة الأرباح الناتجة عن البيع خارج الأغراض العلاجية المشروعة .
غير أن هذه المطالب تظل اتهامات واردة في صحيفة قضائية ولم يصدر حكم نهائي بصحتها، ما يفرض التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات قيد الفحص، من دون استخدام غياب الحكم ذريعة لتجميد إجراءات حماية الصحة العامة.
دواء ضروري بخطر مزدوج
يستخدم جابابنتين طبيا لعلاج بعض نوبات الصرع وآلام الأعصاب، ويعمل عبر خفض النشاط العصبي غير الطبيعي والتأثير في انتقال رسائل الألم، ولذلك يمثل علاجا مهما لمرضى لا يجوز تحميلهم ثمن ضعف الرقابة أو وصمهم بالإدمان .
وبالتوازي، تؤكد الدكتورة أميرة إمام، مدرس الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية بجامعة دمياط، أن الاستخدام المتكرر بجرعات مرتفعة قد يقود إلى اعتماد نفسي وجسدي، مع دوخة واضطرابات إدراكية وتقلبات مزاجية وربما هلاوس لدى بعض الحالات .
وفوق ذلك، تحذر إمام من أن سعي بعض المستخدمين إلى التخدير أو النشوة يدفعهم لرفع الجرعات بعد تراجع التأثير الأولي، فتتضاعف احتمالات الأضرار النفسية والجسدية، ويصبح العلاج نفسه بوابة خطر عندما يغيب الطبيب والصرف المنضبط .
ومن ناحية أخرى، يوضح الدكتور محمود السيد، استشاري المخ والأعصاب، أن المشكلة ليست في المادة بذاتها، وإنما في تناولها بجرعات غير محددة أو لفترات طويلة، بما قد يسبب النعاس الشديد وضعف التركيز والاعتماد الدوائي .
وبناء على ذلك، يشدد السيد على أن إيقاف الدواء فجأة قد يسبب أعراضا انسحابية لدى بعض المرضى، وأن الخفض يجب أن يجري تدريجيا وتحت إشراف الطبيب، بما ينقض الخطاب السهل الذي يختزل الحل في المنع الإداري وحده .
أما الباحثة راشيل سميث، المشاركة في مراجعة علمية منهجية حول إساءة استخدام جابابنتين، فخلصت مع فريقها إلى أن سوء الاستخدام يرتبط غالبا بالترفيه أو العلاج الذاتي أو إيذاء النفس، ويتصاعد بين أصحاب سوابق تعاطي المواد .
كذلك، أظهرت المراجعة أن الخطر يزداد عند خلط العقار بمواد مهدئة أخرى، خاصة المسكنات الأفيونية أو المهدئات أو الكحول، وهو ما يحول الرقابة على علبة الدواء وحدها إلى إجراء ناقص ما لم يصاحبه علاج للإدمان ومتابعة للصرف .
رقابة جاءت متأخرة
أصدرت هيئة الدواء دليلا يلزم الشركات بخطط استيراد سنوية محددة، ويربط الكميات بالاستهلاك الفعلي والمخزون والصادرات، كما يفرض إخطارها بخطط الإنتاج ربع السنوية، وهي ضوابط تكشف ضمنا أن الكميات كانت تحتاج إلى تتبع أكثر صرامة .
وإضافة إلى ذلك، يحظر الدليل التوريد المباشر من الشركات إلى الصيدليات أو المخازن غير المعتمدة، ويشترط موافقات مسبقة وسجلات وفواتير وبيانات أسبوعية، بما يوفر مسارا رقابيا كان غيابه يسمح بتسرب العبوات بعيدا عن المريض الحقيقي .
وبالمثل، ألزم الصيدليات بصرف المستحضرات بتذكرة طبية صحيحة، وبكمية تكفي شهرا واحدا، مع استخدام الوصفة ثلاث مرات كحد أقصى، وتسجيل حركة الأصناف والاحتفاظ بالفواتير، وهي قواعد ضرورية لكن قيمتها مرهونة بالتفتيش الفعلي .
مع ذلك، يتدرج الجزاء من الإنذار إلى وقف التوريد أو التداول لمدد تصل إلى ستة أشهر عند تكرار المخالفة، وهو مسار قد يبدو ضعيفا أمام أرباح سوق واسعة، خصوصا إذا غابت أسماء المخالفين ونتائج التفتيش .
وعليه، فإن الدليل لا يصبح إصلاحا حقيقيا بمجرد نشره، بل يحتاج إلى قاعدة بيانات علنية توضح الإنتاج والاستهلاك والمخزون والمخالفات، حتى لا تتحول الرقابة إلى أوراق تتبادلها الشركات والهيئة بعيدا عن حق المجتمع في المعرفة.
بين العلاج والعقاب
وفي السياق نفسه، يجب ألا تستخدم السلطة تشديد الصرف لتغطية نقص أطباء الأعصاب وعيادات الألم أو ارتفاع كلفة المتابعة، لأن المريض الذي لا يجد خدمة مناسبة قد يلجأ للصيدلية مباشرة، فتخلق السياسات التقشفية سوقا موازية ثم تعاقب ضحاياها.
وبالتالي، يتطلب التوازن وصفات منضبطة قابلة للتتبع، وتدريب الصيادلة على رصد أنماط الشراء المريبة، ومسارات إحالة مجانية لعلاج الاعتماد، مع حماية بيانات المرضى ومنع تحويل الرقابة الصحية إلى ملاحقة أمنية للفقراء والمرضى المزمنين.
وفي المقابل، ينبغي إلزام الشركات بنشر المبررات الطبية لكميات الإنتاج والتوزيع، والإفصاح عن الإنفاق التسويقي، ومنع الحوافز التي تشجع الوصف أو البيع المفرط، لأن ضبط الصيدلي وحده يترك الحلقة الأقوى اقتصاديا خارج المساءلة الجادة.
وفضلا عن ذلك، تحتاج وزارة الصحة إلى حملات تحذير واضحة تفرق بين الاستخدام العلاجي المشروع والإساءة، وتشرح مخاطر زيادة الجرعات والخلط والإيقاف المفاجئ، بدلا من رسائل التخويف التي تدفع المرضى لإخفاء استعمالهم أو ترك العلاج.
ومع اقتراب جلسة ديسمبر، تملك المحكمة فرصة لإجبار الجهات المختصة على تقديم بيانات الإنتاج والتفتيش والبلاغات وحالات الاعتماد، وليس الاكتفاء بدليل إداري حديث، لأن تقييم كفاية التنظيم يستحيل من دون معرفة حجم الخلل الذي سبق صدوره.
وأخيرا، تكشف أزمة جابابنتين نمطا مألوفا في الإدارة المصرية، حيث تتأخر الرقابة حتى يتحول الخطر إلى قضية عامة، ثم يصدر قرار واسع بلا كشف حساب، بينما تبقى الشركات محمية بالغموض والمرضى عالقين بين الإدمان والحرمان من العلاج.
ولهذا، لا يكفي انتظار حكم قضائي أو إضافة اسم دواء إلى قائمة، بل المطلوب منظومة شفافة تربط العلاج بالرقابة والمساءلة، وتنشر البيانات وتحاسب المتربحين، وتحمي المريض من السوق المنفلت ومن قبضة بيروقراطية قد تحرمه دواء ضروريا.

