تصاعدت شكاوى سكان قرى بالصعيد والدلتا من بطء الإنترنت وضعف تغطية المحمول وانقطاع المكالمات وغياب الخطوط الأرضية، بينما أعلنت المصرية للاتصالات استثمار مليارات الجنيهات لتطوير الشبكات بين الإسكندرية ومرسى مطروح لخدمة الساحل الشمالي.
ويكشف الإعلان انحيازا صارخا في توزيع الاستثمارات الرقمية، إذ تتدفق الأموال نحو منطقة سياحية موسمية يرتادها القادرون، بينما تظل قرى مأهولة طوال العام محرومة من خدمة أصبحت ضرورية للتعليم والعمل والعلاج والمعاملات الحكومية.
مليارات لموسم المصايف
أكد تامر المهدي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للمصرية للاتصالات، أن مشاركة الشركة في مبادرة يلا ساحل تستهدف تحسين خدمات الاتصالات وجعل المنطقة أكثر جاذبية للسائحين والمصطافين والمستثمرين خلال موسم الصيف.
وأوضح المهدي أن الشركة أنفقت مليارات الجنيهات لتطوير شبكات الاتصالات على الطريق الممتد من الإسكندرية إلى مرسى مطروح، مع تحديث بعض الكابلات النحاسية وتحويلها إلى ألياف ضوئية وزيادة سعات مراكز البيانات.
وبالتالي، لا يقتصر الاستثمار على تحسين مكالمات المصطافين، بل يشمل بنية رقمية واسعة تخدم الفنادق والمنشآت الترفيهية والمشروعات العقارية، ما يمنح منطقة موسمية أولوية واضحة في خطط الإنفاق والتحديث والتوسع.
كما أن الشركة لم تعلن رقما تفصيليا للاستثمارات أو عدد القرى والمناطق التي يشملها التطوير، ولم تنشر مؤشرات قابلة للقياس توضح مقدار التحسن المتوقع أو كيفية تقييم العائد الاجتماعي من تلك المليارات.
وفي المقابل، تتكرر شكاوى سكان قرى الصعيد والدلتا من ضعف الإشارة داخل المنازل، وصعوبة إجراء المكالمات، وبطء تحميل الصفحات، وانقطاع الإنترنت، وعدم وصول الخطوط الأرضية إلى مناطق سكنية قائمة منذ سنوات.
ومن ثم، لا يتعلق الاعتراض برفض تطوير الساحل، بل بطريقة ترتيب الأولويات، حيث تقدم الدولة تجربة السائح والمصطاف باعتبارها مشروعا يستحق المليارات، فيما تترك اتصال السكان الدائمين رهنا بالشكاوى والوعود المؤجلة.
غير أن مبادرة يلا ساحل تأتي أيضا ضمن حملة تخدم المطورين العقاريين وترسخ جاذبية المنطقة الاستثمارية، بما يجعل تحسين الاتصالات جزءا من رفع القيمة التجارية للمنتجعات والمشروعات، وليس مجرد خدمة عامة محايدة.
ويؤكد خبير الاتصالات حاتم زغلول أن التحديات الحقيقية تظهر في القرى والمناطق الشعبية التي تعاني نقص الخدمات أو ضعف التغطية، بينما تتمتع المدن بقدرات أفضل نتيجة انتشار الألياف الضوئية والبنية الأكثر تطورا.
ولذلك، كان الأولى أن يتزامن إعلان مليارات الساحل مع خطة مماثلة تحدد أسماء القرى المحرومة ومواعيد توصيل الخدمة إليها، بدلا من الاكتفاء بإعلانات براقة عن تحسين تجربة الزائر خلال أشهر الصيف.
أسعار أعلى وخدمة أضعف
رفع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أسعار بعض خدمات الإنترنت الأرضي والمحمول بنسبة تراوحت بين 9% و15%، شاملة الضرائب، اعتبارا من 6 مايو، في زيادة طبقتها الشركات العاملة بالسوق بصورة متزامنة.
ورغم الزيادة، استمرت شكاوى المستخدمين من تراجع جودة المكالمات وبطء الإنترنت ونفاد الباقات قبل موعدها، ما جعل المواطن يدفع سعرا أعلى من دون أن يلمس تحسنا موازيا في استقرار الشبكة أو سرعتها.
وعلاوة على ذلك، لم تعد خدمة الإنترنت ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل أصبحت وسيلة أساسية لحضور الدروس وإنجاز الأعمال والوصول إلى الخدمات الحكومية والمصرفية، وهو ما يضاعف أثر الانقطاع على سكان القرى.
وأوضح محمد إبراهيم، نائب رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أن تحريك الأسعار جاء بعد ارتفاع التكاليف التشغيلية والرأسمالية، وأنه يستهدف ضمان استمرار الشركات في تطوير الشبكات والمحافظة على قدرتها على تقديم الخدمات.
لكن تبرير الزيادة بتمويل التطوير يفرض سؤالا مباشرا عن المناطق التي تحصل فعليا على هذا التطوير، خصوصا عندما تعلن مليارات جديدة للساحل بينما تظل القرى نفسها تواجه ضعف التغطية وتعطل الخطوط.
وبناء على ذلك، يفترض أن ترتبط أي زيادة سعرية بالتزامات معلنة تشمل الحد الأدنى للسرعة، ونسب نجاح المكالمات، ومدة إصلاح الأعطال، وتعويض المشترك تلقائيا عن الانقطاع، بدلا من ترك العلاقة لمصلحة الشركة وحدها.
كذلك، أثارت زيادة الأسعار اعتراضات برلمانية وقضائية، باعتبارها عبئا إضافيا على الأسر في ظل الضغوط الاقتصادية، خاصة أن المستخدم قد يضطر إلى شراء سعات إضافية عندما تنفد باقته قبل انتهاء الشهر.
وفي هذا السياق، رأى خبير التكنولوجيا محمد عزام أن تطوير البنية الرقمية والاستثمار في الشبكات الحديثة ضروريان لدعم المجتمع الرقمي، لكن هذا الهدف يفقد معناه عندما تظل ثمار الاستثمار غير متكافئة بين المدن والمناطق الريفية.
وفضلا عن ذلك، تكشف بيانات الشكاوى الرسمية أن مشكلات الاتصالات ليست حالات فردية، إذ تتكرر المطالب بإصلاح السنترالات وتوصيل الخطوط وتحسين سرعة الإنترنت ومعالجة سوء أداء بعض الشركات المقدمة للخدمة.
قرى تنتظر دورها
تعاني مناطق ريفية في محافظات بالصعيد والدلتا من ضعف الأبراج أو بعدها عن التجمعات السكنية، فضلا عن تهالك شبكات نحاسية وغياب خطوط أرضية، ما يترك الأسر معتمدة على إنترنت محمول متذبذب ومرتفع التكلفة.
وفي الوقت ذاته، يواجه طلاب القرى صعوبة في حضور الدروس الرقمية وتحميل المواد التعليمية، بينما تتعطل أعمال أصحاب المشروعات الصغيرة والتحويلات المالية والخدمات الإلكترونية كلما ضعفت الشبكة أو انقطعت لساعات.
ومن ناحية أخرى، ناقشت لجنة الاتصالات بمجلس النواب شكاوى تتعلق بضعف شبكات المحمول في عدد من القرى، إلى جانب ارتفاع الأسعار وسرعة نفاد الباقات والحاجة إلى رقابة أقوى على مستوى الخدمات.
إلا أن تكرار المناقشات لا يضمن الحل ما لم تتحول إلى جداول زمنية ومخصصات مالية معلنة، تحدد المسؤول عن كل منطقة محرومة، وتكشف عدد الأبراج المطلوبة ومواعيد إنشائها ونتائج قياسات الجودة.
ثم إن الاعتماد على المتوسط العام لسرعة الإنترنت يخفي الفجوة الجغرافية، لأن تحقيق سرعات مرتفعة في القاهرة والمدن أو المنتجعات لا يلغي معاناة قرية تفشل فيها المكالمة أو يتعذر فتح صفحة تعليمية.
وعليه، يجب على الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات نشر خرائط تفصيلية للتغطية والانقطاعات والسرعات في كل مركز وقرية، بدلا من الاكتفاء بمؤشرات قومية واسعة لا تعكس التجربة اليومية للمستخدمين في المناطق المحرومة.
إلى جانب ذلك، ينبغي إلزام المصرية للاتصالات بكشف توزيع استثماراتها بين الساحل والقرى، وبيان نسبة ما يخصص للمناطق منخفضة العائد التجاري، باعتبارها شركة عامة مسؤولة عن تقديم خدمة عادلة لا تعظيم الأرباح فقط.
وبالمحصلة، تكشف مبادرة يلا ساحل نموذجا لدولة تسابق الزمن لتحديث واجهتها السياحية والعقارية، بينما تتحرك ببطء عندما يتعلق الأمر بحق سكان الصعيد والدلتا في اتصال مستقر يدفعون ثمنه شهريا.
وأخيرا، لن يكون الاستثمار الرقمي عادلا ما دامت المنتجعات تحصل على الألياف الضوئية ومراكز البيانات، فيما تظل قرى كاملة تطارد إشارة ضعيفة أو تنتظر خطا أرضيا، رغم زيادة الأسعار والحديث الرسمي المتكرر عن الشمول الرقمي.

