كشفت مفاوضات متقدمة بين الحكومة المصرية وشركة إيميا باور الإماراتية عن خطة لإنشاء 3 محطات لتحلية مياه البحر بطاقة إجمالية تبلغ 300 ألف متر مكعب يوميا، في البحرين المتوسط والأحمر، بما يفتح قطاعا سياديا جديدا أمام رأس المال الإماراتي.

 

وتأتي الصفقة المحتملة بينما يواصل النظام المصري تقديم الاستثمارات الخليجية بوصفها إنقاذا اقتصاديا، من دون نقاش علني كاف حول حدود السيطرة والإدارة والتسعير، أو الضمانات التي تمنع تحول الحاجة إلى الدولار إلى تنازل طويل الأجل عن القرار السيادي.

 

وبحسب تصريحات رئيس الشركة حسين النويس، لا يقتصر الدور الإماراتي على التمويل، بل يمتد إلى التصميم والإنشاء والتشغيل الكامل، وهو نموذج يمنح المستثمر نفوذا واسعا على دورة المشروع، ويضاعف الحاجة إلى نشر العقود وآليات الرقابة والتسعير بشفافية.

 

وفي المقابل، لا تعني مشاركة القطاع الخاص في التحلية بذاتها تفريطا، لكن غياب التفاصيل المنشورة بشأن مدة الامتياز، وملكية الأصول، وسعر شراء المياه، وضمانات الدولة، يجعل الحكم الحقيقي مستحيلا ويترك الرأي العام أمام شعارات حكومية أكثر من معلومات قابلة للفحص.

 

كما تكشف أرقام وزارة الري حجم الحساسية، إذ تبلغ احتياجات مصر نحو 114 مليار متر مكعب سنويا، بينما تدور الموارد المتاحة حول 60 مليارا، ما يجعل أي توسع في التحلية جزءا من معادلة أمن مائي لا تحتمل الغموض.

 

ويحذر أستاذ الموارد المائية نادر نور الدين من ارتفاع كلفة التحلية واستهلاكها الكبير للطاقة، وهي ملاحظة تجعل شروط التشغيل والتسعير جوهرية، لأن نقل أعباء التكلفة إلى الدولة أو المواطنين قد يحول المشروع من حل مائي إلى التزام مالي ممتد.

 

لذلك، لا يتعلق السؤال برفض الاستثمار الأجنبي، بل بمن يملك سلطة القرار عند التعارض بين الربح التجاري وحق المواطنين في المياه، ومن يتحمل مخاطر العملة والطاقة، وكيف تضمن الدولة استمرار الخدمة إذا نشأ نزاع تعاقدي أو تغيرت الأولويات السياسية.

 

ومن ثم، يصبح واجب الحكومة نشر نموذج التعاقد قبل التنفيذ، وتحديد سقوف التسعير، وآليات فض النزاعات، ونسب المكون المحلي، وخطط نقل المعرفة، لأن الأمن المائي لا يدار ببيانات دعائية ولا بوعود عامة عن الشراكة الاستراتيجية.

 

غير أن هذه المفاوضات لا تظهر في فراغ، بل تأتي بعد سنوات من توسع إماراتي متسارع في أصول مصرية حساسة، وهو ما يحول كل صفقة جديدة إلى حلقة داخل نمط أوسع يستحق المحاسبة السياسية والاقتصادية.

 

 

الموانئ والصحة تحت الضغط

 

وتقدمت شركة بلاك كاسبيان التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي بعرض للاستحواذ على ما يصل إلى 90% من شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، بعدما بلغت الحصة القائمة للكيانات التابعة للمجموعة نحو 19.33% من رأس المال.

 

وبالتالي، فإن المسألة تتجاوز شراء أسهم عادية، لأن الشركة المستهدفة تعمل في بوابة رئيسية للتجارة المصرية، فيما يثير انتقال السيطرة إلى كيان أجنبي واحد أسئلة عن المنافسة، وتدفق البيانات التجارية، وقدرة الدولة على حماية المصالح الاستراتيجية.

 

وفي القطاع الصحي، سبقت موجة أخرى حين استحوذت أبراج كابيتال على سلسلتي معامل البرج والمختبر، ودخلت عبر كيانات مرتبطة في شبكة مستشفيات خاصة، بما أعاد آنذاك الجدل حول تركز الخدمات الحساسة في أيدي مجموعات استثمارية عابرة للحدود.

 

علاوة على ذلك، تكشف هذه الوقائع أن الحضور الإماراتي لا يتحرك في قطاع واحد، بل ينتقل بين الموانئ والصحة والعقارات والطاقة والمياه، مستفيدا من أزمة تمويل مزمنة تدفع الحكومة إلى تسييل الأصول واستباق نقص العملة بصفقات ضخمة.

 

ويرى خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس أن تحويل الودائع والقروض الخليجية إلى استثمارات في الأراضي والمنشآت جاء بحثا عن تدفقات نقدية، وهي قراءة تضع الصفقات داخل أزمة السيولة، لا داخل رواية التخطيط التنموي وحدها.

 

بناء على ذلك، يصبح الخطر في التركز لا في جنسية المستثمر، لأن اعتماد الدولة على مصدر تمويل واحد أو مجموعة محدودة من الصناديق يضعف قدرتها التفاوضية، وقد يدفعها إلى قبول شروط لا تعرض أصلا على المجتمع أو البرلمان.

 

وفي الوقت نفسه، لا توجد قاعدة اقتصادية تقول إن الاستثمار الأجنبي سيئ بطبيعته، لكن الاستثمار المنتج يختلف عن شراء أصول قائمة أو السيطرة على مرافق احتكارية، كما تختلف الشراكة المتوازنة عن إنقاذ مالي قصير الأجل مقابل نفوذ طويل.

 

لهذا، تبدو الرقابة البرلمانية الغائبة أخطر من الصفقة نفسها، إذ لا يعرف المصريون كيف تقيم الأصول، ومن يحدد السعر، وما الالتزامات الضريبية، وهل توجد شروط لإعادة البيع، أو حماية العمال، أو منع التركز، أو ضمان بقاء القرار التشغيلي محليا.

 

أما رأس الحكمة، فتقدم المثال الأكبر على انتقال النفوذ من شراء الشركات إلى إدارة الجغرافيا، بعدما خصص مشروع التطوير مساحة تبلغ نحو 170 مليون متر مربع على الساحل الشمالي الغربي، مع خطط لمطار دولي ومرافق وبنية عمرانية واسعة.

 

 

رأس الحكمة وثمن الأزمة

 

وبخلاف صفقة عقارية تقليدية، يرتبط المشروع بمدينة كاملة ومطار وشبكات بنية أساسية ومساحات ساحلية شاسعة، ما يفرض أسئلة عن حدود الإدارة الخاصة، واختصاصات الدولة، وحقوق السكان، وطبيعة العقود التي تنظم الأرض والمرافق لعقود مقبلة.

 

وفوق ذلك، جاءت صفقة رأس الحكمة في لحظة أزمة عملة حادة، وأسهمت تدفقاتها في تخفيف الضغط الخارجي، وهو ما منح الحكومة متنفسا عاجلا، لكنه كشف أيضا كيف يمكن أن تتحول الأزمات المالية إلى بوابة لإعادة توزيع ملكية أصول استراتيجية.

 

ويشرح الباحث الاقتصادي مجدي عبد الهادي أن بيع الأصول المصرية تحول إلى وسيلة لشراء الوقت لنموذج اقتصادي غير مستدام، وهي قراءة تربط التسييل المتكرر للأصول بعجز هيكلي أوسع، بدلا من اعتباره برنامجا مستقلا للإصلاح والتنمية.

 

ومن ناحية أخرى، تشير بيانات متداولة إلى وجود نحو 1730 شركة إماراتية في مصر، مع مساهمة إماراتية كبيرة في الاستثمار الأجنبي، غير أن الرقم الأهم ليس العدد وحده، بل درجة التركز داخل قطاعات تمنح أصحابها نفوذا اقتصاديا وسياسيا مستداما.

 

ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع نسبة 29% المتداولة، لأنها ترتبط بتقديرات وفترات زمنية مختلفة، ولا تكفي وحدها لإثبات تبعية اقتصادية، بينما توفر الصفقات الموثقة في الموانئ والعقارات والصحة والمياه أساسا أقوى للتحليل والنقد.

 

وعليه، فالقضية ليست مؤامرة سرية ولا رفضا للعلاقات مع الإمارات، بل نمط صنع قرار مغلق يسمح بصفقات ضخمة دون كشف العقود أو تقييم مستقل للأصول أو نقاش مجتمعي حول القطاعات التي يجب أن تبقى تحت سيطرة وطنية.

 

في النهاية، يكشف انتقال رأس المال الإماراتي من الموانئ والمستشفيات إلى الساحل ومحطات التحلية أن مصر لا تواجه مجرد موجة استثمار، بل اختبارا لحدود السيادة الاقتصادية في دولة تستخدم بيع الحقوق والأصول لتسكين أزمات التمويل المتكررة.

 

وبهذا المعنى، يصبح السؤال الذي تحاول البيانات الرسمية الهروب منه مباشرا: هل تبني الحكومة شراكات تزيد قدرة مصر على الإنتاج والاستقلال، أم تبيع مساحات متزايدة من القرار الاقتصادي مقابل سيولة عاجلة تستهلكها أزمة اليوم وتورث شروطها للغد.

 

وأخيرا، لا يمكن الإجابة من دون عقود منشورة ورقابة حقيقية وبيانات عن الملكية والتسعير والعوائد، لأن الوطنية لا تقاس بجنسية المستثمر وحدها، بل بقدرة الدولة على حماية الموارد ومنع الاحتكار وضمان أن يبقى القرار النهائي للمصريين.