افتتح قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، السبت، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة في العاصمة الإدارية الجديدة، على مساحة تتجاوز 9 ملايين متر مربع، رابطا إنشاءه بدروس أحداث 2011، ومؤكدا أن الدولة غادرت القاهرة حتى لا تتكرر محاصرة مؤسساتها.

 

ويضع هذا التبرير مصر أمام سؤال سياسي يتجاوز الخرسانة والتقنيات، لأن أهم منشأة قيادة عسكرية جرى تقديمها جزئيا باعتبارها ضمانة ضد ضغط داخلي، بما يكشف اتساع المسافة بين السلطة والمجتمع وتحول الاحتجاج إلى هاجس أمني.

 

 

عندما يصبح الشعب خطرا

 

فمن الطبيعي أن تطور الدول جيوشها وأنظمة القيادة والسيطرة، لكن اللافت أن الخطاب الافتتاحي لم يركز وحده على غزو خارجي أو حرب وشيكة، بل استعاد حصار مؤسسات الدولة وضرورة منع تكراره مستقبلا.

 

وبحسب الخطاب الرسمي، فإن المقر لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمثل قاعدة لقدرة الدولة على التعامل مع التحديات والظروف الاستثنائية، ضمن منظومة مؤمنة للاتصالات والمعلومات وصنع القرار في العاصمة الجديدة.

 

غير أن السيسي خرج عن النص ليشرح سبب اختيار الموقع، مستعيدا محاصرة المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء ومدينة الإنتاج الإعلامي والتهديد بمحاصرة وزارة الدفاع، قبل أن يقول إن الدولة كان عليها مغادرة العاصمة حتى لا يتكرر ذلك.

 

وهنا تتحول القضية من تحديث عسكري مشروع إلى فلسفة حكم، لأن السؤال يصبح عما إذا كانت السلطة ترى المواطن الغاضب طرفا يجب الاستماع إليه، أم خطرا محتملا ينبغي إبعاد مراكز القرار عنه وتحصينها جغرافيا.

 

ويرى الباحث الاقتصادي والسياسي تيموثي كالداس أن تصريحات السيسي مثلت اعترافا نادرا بمنطق العاصمة الجديدة والأوكتاغون، معتبرا أن المشروعين يخففان ضغط الجمهور على النظام خلال أي اضطرابات أو احتجاجات مستقبلية ويضعان أمن النظام أولا.

 

وبالتالي، لا يبدو انتقال مراكز السلطة إلى الصحراء مجرد علاج لازدحام القاهرة، بل إعادة هندسة للمسافة بين الحاكم والمحكوم، بحيث تصبح المؤسسات السيادية أبعد عن الكتل السكانية وأصعب على الحشود أن تصل إليها أو تضغط عليها.

 

كما أن الدولة الواثقة من شرعيتها تبني دفاعها الأول في الرضا العام وقنوات المشاركة، بينما تكشف المبالغة في التحصين من الداخل عن أزمة أعمق لا تعالجها الجدران، هي ضعف الثقة والخوف من عودة المجال العام.

 

ولذلك، فإن السؤال الأخطر ليس كم بلغت تكلفة المبنى ولا عدد غرف العمليات داخله، بل لماذا احتلت ذاكرة 2011 هذا الموقع في تفسير إنشاء مقر القيادة، ولماذا استُدعيت الاحتجاجات عند شرح مشروع يفترض أنه لحماية الأمن القومي.

 

ومن ثم، يصبح الأوكتاغون رمزا لتحول سياسي واسع، انتقلت فيه السلطة من محاولة إدارة المجتمع إلى إدارة المخاطر القادمة منه، ومن البحث عن توافق اجتماعي إلى بناء مؤسسات تستطيع الاستمرار حتى عند اتساع الغضب الشعبي.

 

 

هندسة مضادة للثورة

 

وتشير تغطيات افتتاح المقر إلى أنه يضم وزارة الدفاع وقيادات القوات المسلحة ومراكز بيانات واتصالات مؤمنة ومنشآت للمحاكاة والأمن السيبراني، في مجمع هائل يجمع مستويات القيادة وصنع القرار داخل نطاق شديد الحماية.

 

لكن هذا التركيز يفتح بدوره نقاشا حول معنى الأمن، فالدولة التي تحمي مراكزها من شعبها قد تضمن استمرارية القرار، لكنها لا تعالج الأسباب التي تدفع المواطنين للاحتجاج، من ضغوط اقتصادية وانغلاق سياسي وشعور بالعجز.

 

وعلاوة على ذلك، يرى الكاتب والباحث حسام الحملاوي أن المؤسسة العسكرية تعلمت من سقوط مبارك أن أخطر نقاط ضعفها لم تكن عدوا خارجيا، بل قدرة الحركات الجماهيرية على احتلال المجال العام ومحاصرة المؤسسات والضغط على مراكز السلطة.

 

وبناء على ذلك، يصبح المقر الجديد تجسيدا ماديا لدرس مضاد للثورة، يقوم على منع تكرار الجغرافيا السياسية التي سمحت للحشود بالتجمع قرب مؤسسات الحكم، بدلا من معالجة الأسباب الاجتماعية والسياسية التي صنعت تلك الحشود.

 

في المقابل، تقول الرواية الرسمية إن العاصمة الجديدة والقيادة الاستراتيجية تحميان الدولة من الظروف الاستثنائية وتضمنان استمرار العمل، وهي حجة مفهومة أمنيا، لكنها لا تفسر لماذا ظل الداخل الشعبي حاضرا بهذه القوة في خطاب الافتتاح.

 

وفوق ذلك، ربط السيسي مرارا أحداث 2011 بالخسائر الاقتصادية والفوضى، مقدما الثورة بوصفها لحظة خراب ممتدة، وهو خطاب يحول المطالب بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية إلى تحذير دائم من كلفة فتح المجال السياسي.

 

وبهذا المعنى، لا تصبح الذاكرة الرسمية أداة لفهم ما حدث، بل وسيلة لبناء الشرعية على الخوف من تكراره، بحيث يجري تقديم الاستقرار كبديل عن المشاركة، والتحصين كبديل عن الثقة، والطاعة كضمانة لبقاء الدولة.

 

ومع اتساع هذا المنطق، يصبح المواطن جزءا من أسوأ السيناريوهات، لا شريكا في منعها، بينما تتحول الاحتجاجات من جرس إنذار بشأن فشل السياسات إلى تهديد ينبغي تصميم المدن والمؤسسات على أساس احتوائه وإبعاده.

 

وعليه، فإن القوة الحقيقية لا تقاس بسمك الجدران ولا بعدد البوابات، لأن الدولة قد تحمي غرفة عملياتها من الحصار، لكنها لا تستطيع حماية شرعيتها إذا اتسعت الفجوة بين المواطنين والسلطة وغابت قنوات التعبير والمحاسبة.

 

 

قلعة تحاصر الشرعية

 

ويضيف الباحث يزيد صايغ أن العاصمة الإدارية كانت من أضخم المشروعات التي أدارتها المؤسسة العسكرية، ضمن توسع أوسع في المشروعات القومية والاقتصاد، بما يجعل الأوكتاغون جزءا من بنية تجمع النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي.

 

ومن ناحية أخرى، جاءت هذه المشروعات خلال سنوات من تصاعد الديون وتراجع مستويات المعيشة، ما دفع منتقدين للسؤال عن ترتيب الأولويات، خصوصا حين تُوجَّه موارد هائلة إلى مشروعات ضخمة بينما تتحمل الأسر أعباء الغلاء والخدمات.

 

غير أن المسألة لا تتعلق بالتكلفة وحدها، لأن الخطر الأكبر يكمن في نموذج دولة تعيد توزيع مؤسساتها ومراكزها الجغرافية وفق هاجس البقاء، وتستثمر في الابتعاد عن المجتمع بقدر أكبر مما تستثمر في استعادة ثقته.

 

كذلك، فإن تحصين السلطة مكانيا قد يقلل احتمال محاصرة المؤسسات، لكنه لا يلغي الغضب ولا أسبابه، بل قد يؤجله ويدفعه إلى أشكال أخرى، لأن الاستقرار المستدام ينتج من العدالة والتمثيل والمحاسبة لا من المسافات والأسوار.

 

لهذا، تبدو المفارقة صارخة بين خطاب يؤكد أن الشعب والجيش جسد واحد، وتصميم سياسي ينقل مراكز القيادة بعيدا عن الفضاء الذي صنع احتجاجات 2011، ويعيد تعريف القرب من المواطنين باعتباره نقطة ضعف أمنية.

 

وأخيرا، لا تكمن المشكلة في امتلاك مصر قيادة استراتيجية حديثة، بل في الرسالة التي حملها تبريرها، عندما ظهر أن استمرار الدولة يُفكر فيه أحيانا بوصفه قدرة على الصمود أمام المجتمع لا قدرة على العمل معه.

 

وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي كشفه الافتتاح أكثر إلحاحا من تفاصيل المبنى نفسه، فإذا كان هاجس السلطة هو ألا تُحاصر مؤسساتها مرة أخرى، فمن يحاصر أسباب الغضب قبل أن تتحول إلى انفجار جديد.