قضت محكمة تونسية بسجن المرشح الرئاسي السابق سمير العبدلي مدة 18 عاما بتهم تتعلق بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، في أحدث حلقة من سلسلة محاكمات ثقيلة طالت خلال السنوات الأخيرة سياسيين ومحامين ورجال أعمال ومدافعين عن حقوق الإنسان، وسط تصاعد الانتقادات الحقوقية لسياسات الرئيس قيس سعيد واتساع دائرة استخدام القضاء في ملاحقة معارضيه وخصومه.
ويأتي الحكم في مناخ سياسي شديد التوتر، لم تعد فيه القضايا مقتصرة على قيادات حزبية أو شخصيات متهمة بالتخطيط ضد السلطة، بل امتدت إلى رموز العدالة الانتقالية ومناهضة العنصرية ومنظمات المجتمع المدني، ما دفع منظمات حقوقية دولية إلى التحذير من إغلاق المجال العام وتحويل المحاكمات والعقوبات الطويلة والغرامات الضخمة إلى أدوات لإسكات الأصوات المستقلة.
18 عاما لمرشح رئاسي في قضية التآمر
فقد أصدرت هيئة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس حكما بسجن المحامي ورجل الأعمال والمرشح الرئاسي السابق سمير العبدلي مدة 18 عاما، بعد إدانته في قضية تتعلق بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي.
وشملت الأحكام أطرافا مقربة من العبدلي، إذ قضت المحكمة بسجن سائقه الخاص مدة 3 سنوات، إلى جانب الحكم على كاتبته الخاصة بالسجن عامين، في قضية تعود إلى مايو 2024، عندما صدر قرار بإيداع العبدلي السجن على ذمة التحقيقات.
وبحسب مجريات الملف، تضمنت الاتهامات الموجهة إليه شبهات بإفشاء أسرار الدولة والتآمر على أمن الدولة والتعامل والتخابر مع جهات أجنبية، إضافة إلى جرائم غسل وتبييض الأموال، وهي اتهامات خطيرة بدأت التحقيقات بشأنها إثر شكوى رسمية تقدم بها أحد أقاربه واتهمه فيها بالتآمر والتخابر.
ويعد سمير العبدلي أحد الوجوه السياسية المعروفة في تونس، كما سبق أن خاض الانتخابات الرئاسية عام 2014، وهي أول انتخابات رئاسية مباشرة بعد مرحلة الانتقال السياسي التي أعقبت ثورة 2011، قبل أن تشهد البلاد لاحقا تحولات حادة بلغت ذروتها مع الإجراءات التي اتخذها قيس سعيد منذ يوليو 2021.
وتضع السلطات التونسية قضية العبدلي ضمن سياق أوسع من القضايا المتعلقة بأمن الدولة ومخططات مزعومة تستهدف الحكم، وهي ملفات تصاعد حضورها في المشهد القضائي والسياسي منذ 2023، عندما بدأت حملة اعتقالات واسعة طالت قيادات سياسية وقضاة ورجال أعمال وشخصيات معارضة.
وكانت السلطات قد أعلنت في وقت سابق اكتشاف مخططات قالت إنها تستهدف الرئيس قيس سعيد ومؤسسات الدولة، وتحدثت عن تهديدات داخلية وخارجية تهدف إلى إثارة الفوضى والبلبلة، بينما اتهمت المعارضة السلطة بتوظيف ملفات أمن الدولة لإقصاء الخصوم وتفريغ المجال السياسي من منافسي الرئيس.
وفي فبراير 2023، بدأت واحدة من أبرز قضايا التآمر على أمن الدولة، بعدما اعتقلت السلطات مجموعة من القيادات السياسية ورجال الأعمال وشخصيات عامة، ووجهت إليهم اتهامات بالتخطيط لقلب نظام الحكم، في قضية أثارت جدلا واسعا داخل تونس وخارجها بشأن طبيعة الأدلة وضمانات المحاكمة العادلة.
وتكشف هذه القضايا عن انتقال المشهد السياسي التونسي من مرحلة التنافس المفتوح الذي ميز السنوات الأولى بعد الثورة، إلى مرحلة باتت فيها المحاكم والسجون جزءا أساسيا من الصراع بين السلطة ومعارضيها، بينما تتراجع قدرة الأحزاب والمنظمات المدنية على العمل بحرية.
أحكام ثقيلة تطال رموز العدالة الانتقالية
لا ينفصل الحكم الصادر بحق سمير العبدلي عن موجة أوسع من الأحكام القاسية التي طالت شخصيات حقوقية بارزة، وفي مقدمتها سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، التي حكم عليها بالسجن 25 عاما في قضيتين منفصلتين.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن محكمتين تونسيتين أصدرتا خلال أيام أحكاما بالسجن والغرامات بحق 8 مدافعين عن حقوق الإنسان، معتبرة أن هذه الملاحقات تمثل ضربة جديدة للفضاء المدني المتقلص في البلاد.
وحكمت محكمة ابتدائية في تونس على سهام بن سدرين بالسجن 20 عاما في قضية مرتبطة بالتقرير الرسمي لهيئة الحقيقة والكرامة، و5 سنوات إضافية في قضية تتعلق باتفاقية تحكيم ومصالحة، ليصل مجموع العقوبة إلى 25 عاما.
كما فرضت المحكمة غرامة ضخمة بالتضامن مع متهمين آخرين بلغت نحو 1.8 مليار دينار تونسي، أي ما يعادل قرابة 600 مليون دولار، في حكم وصفته منظمات حقوقية بأنه بالغ القسوة ويثير مخاوف بشأن استهداف مسار العدالة الانتقالية نفسه.
وترأست بن سدرين هيئة الحقيقة والكرامة بين عامي 2014 و2018، وهي المؤسسة التي تولت التحقيق في عقود من الانتهاكات السياسية والحقوقية، ومحاولة كشف المسؤولين عنها وفتح الطريق أمام محاسبتهم.
وترى هيومن رايتس ووتش أن ملاحقتها ترتبط بدورها في الهيئة وبجهودها في كشف الانتهاكات، خصوصا أن قانون العدالة الانتقالية يمنح أعضاء الهيئة حماية قانونية بشأن ما يصدر عنهم من تقارير واستنتاجات وتوصيات أثناء تنفيذ مهامهم.
وتعرضت بن سدرين، البالغة من العمر 75 عاما، للملاحقة والسجن خلال عهود سياسية مختلفة، إذ سجنت في عهد الحبيب بورقيبة، ثم مجددا في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، كما عاشت في المنفى قبل ثورة 2011، وواصلت لاحقا انتقاد قيس سعيد وسياساته تجاه الديمقراطية.
ولم تقتصر الأحكام على بن سدرين، فقد حكم على المحامي والعضو السابق في هيئة الحقيقة والكرامة خالد الكريشي بالسجن 10 سنوات على خلفية عمله في الهيئة، وهو ما اعتبرته جهات حقوقية محاولة إضافية لضرب ما تبقى من مسار العدالة الانتقالية في البلاد.
وتثير هذه التطورات مخاوف من أن تتحول عملية المحاسبة على انتهاكات الماضي إلى ملف مطوي، وأن يجد الذين حاولوا كشف تجاوزات العقود السابقة أنفسهم في السجون بدلا من المسؤولين عن تلك الانتهاكات.
الفضاء المدني تحت الحصار
امتدت موجة الملاحقات إلى الناشطين في مجال مكافحة العنصرية والدفاع عن المهاجرين والأقليات، وعلى رأسهم سعدية مصباح، رئيسة جمعية منامتي، التي حكم عليها بالسجن 8 سنوات وغرامة مالية كبيرة، في قضية أثارت انتقادات حقوقية دولية.
وساهمت مصباح في الجهود التي قادت إلى اعتماد قانون سنة 2018 لمكافحة جميع أشكال التمييز العنصري، قبل أن تصبح جمعيتها هدفا للتحقيقات والملاحقات خلال حملة أوسع استهدفت منظمات تعمل مع المهاجرين واللاجئين.
وأوقفت السلطات مصباح في مايو 2024، ثم وجهت إليها وإلى عدد من أعضاء الجمعية اتهامات تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال وعدم مسك حسابات مالية كافية، وهي اتهامات رفضها حقوقيون واعتبروها جزءا من الضغط المتزايد على المنظمات المدنية.
كما طالت الأحكام أعضاء آخرين في جمعية منامتي، وتراوحت العقوبات بين عام و3 أعوام، بعضها مع وقف التنفيذ، إلى جانب الغرامات وحرمان بعض المحكوم عليهم من حقوق سياسية تشمل التصويت والترشح للانتخابات.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذه الأحكام تأتي في ظل إغلاق صارم للمجال المدني وتزايد الهجمات على الجمعيات والمدافعين عن الحقوق، مطالبة السلطات بإلغاء الإدانات والإفراج عن المحتجزين ووقف الملاحقات التي وصفتها بالتعسفية.
وحذر بسام خواجا، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، من أن السجون والغرامات الضخمة توجه ضربة مدمرة إلى المدافعين عن حقوق الإنسان، وتبعث برسالة تهديد إلى جميع من يحاولون الحفاظ على ما تبقى من مساحة مستقلة للعمل العام.
وتتمسك منظمات حقوقية بأن تونس، باعتبارها طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ملزمة بحماية حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع وضمان الحق في المحاكمة العادلة وعدم التعرض للاحتجاز التعسفي.
لكن تتابع الأحكام ضد مرشح رئاسي سابق وشخصيات سياسية وحقوقية بارزة يكشف أن أزمة تونس تتجاوز قضية فردية أو ملفا قضائيا منفصلا، لتصبح مواجهة مفتوحة حول مستقبل المجال السياسي والمدني وحدود سلطة الدولة في بلد كان ينظر إليه يوما باعتباره التجربة الديمقراطية الأبرز التي خرجت من ثورات الربيع العربي.

