لم يعد موقع مطار القدس الدولي التاريخي في بلدة قلنديا شمال القدس المحتلة مجرد مساحة مغلقة منذ سنوات، بل تحول إلى ساحة جديدة في معركة فرض الوقائع على الأرض، بعدما وضع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حجر الأساس لما يسمى «مركز التراث» داخل الموقع، في خطوة اعتبرتها محافظة القدس تصعيدًا خطيرًا في المشروع الاستيطاني الهادف إلى إعادة تشكيل جغرافية المدينة وهويتها التاريخية.


https://www.facebook.com/jergover/posts/1365261042457935?ref=embed_post

 

الخطوة الجديدة، التي جرت بمشاركة وزير التراث عميحاي إلياهو ورئيس بلدية الاحتلال في القدس، تتجاوز إقامة مركز يحمل طابعًا ثقافيًا أو تاريخيًا، وفق التحذيرات الفلسطينية، إذ تأتي في قلب مشروع استيطاني أوسع يستهدف منطقة قلنديا ومحيطها، ويمهد لإقامة آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية فوق مدرج المطار والأراضي المحيطة به، بما يهدد بعزل مزيد من التجمعات الفلسطينية وتقطيع التواصل الجغرافي بينها.

 

 

من مطار فلسطيني إلى منصة لإعادة كتابة تاريخ المكان

 

ترى محافظة القدس أن إقامة ما يسمى «مركز التراث» داخل مطار القدس التاريخي تمثل انتقالًا واضحًا من مرحلة التخطيط إلى مرحلة فرض واقع جديد على الأرض، ضمن سياسة طويلة تستهدف السيطرة على معالم المدينة وتحويلها إلى أدوات تخدم الرواية الإسرائيلية.

 

المشروع الجديد سيقام، بحسب المعطيات المعلنة، داخل المبنى الأصلي للمطار، وتحديدًا في قاعة الاستقبال التي شُيدت خلال فترة الحكم الأردني للضفة الغربية. وبدل الحفاظ على تاريخ الموقع باعتباره أحد أبرز معالم الوجود الفلسطيني والعربي في المدينة، تخطط سلطات الاحتلال لتحويله إلى مركز يعرض ما تصفه بتاريخ تطور الطيران الإسرائيلي والاستيطان في المنطقة.

 

وترى الجهات الفلسطينية في ذلك محاولة مباشرة لإعادة صياغة ذاكرة المكان، عبر فصل المطار عن تاريخه الحقيقي وربطه برواية جديدة تتجاهل أنه كان حتى عام 1967 الميناء الجوي الوحيد في الضفة الغربية، قبل أن تستولي عليه إسرائيل عقب الاحتلال.

 

وبعد السيطرة عليه، استُخدم المطار لفترة في الرحلات الداخلية، قبل أن يُغلق نهائيًا عام 2000، إلا أن إغلاقه لم يُنه الصراع على موقعه وأراضيه. فقد بقيت المنطقة هدفًا لمشاريع استيطانية متتالية، حتى جاءت خطوة إنشاء «مركز التراث» لتثير مخاوف من أن يكون المشروع بداية لتحويل الموقع بالكامل إلى جزء من منظومة استيطانية واسعة.

 

وتقول محافظة القدس إن الاحتلال لا يسعى فقط إلى السيطرة المادية على المكان، بل إلى طمس الذاكرة الفلسطينية المرتبطة به، ومنح الموقع هوية جديدة تخدم الرواية الإسرائيلية، وهو ما يجعل الصراع حول المطار جزءًا من معركة أوسع على هوية القدس وتاريخها.

 

 

حجر أساس لمشروع استيطاني أوسع في شمال القدس

 

الخطر، بحسب التحذيرات الفلسطينية، لا يتوقف عند حدود المبنى الذي سيقام فيه المركز، فالمشروع يرتبط بخطط استيطانية أوسع في شمال القدس تشمل توسيع مستوطنة «عطروت» وإقامة آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية فوق أراضي المطار ومحيط بلدة قلنديا.

 

ويُنظر إلى منطقة المطار باعتبارها واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الجغرافية، نظرًا إلى موقعها بين القدس ورام الله، وهو ما يجعل السيطرة عليها عنصرًا مهمًا في تغيير شكل التواصل بين التجمعات الفلسطينية.

 

وأكدت محافظة القدس أن المشاريع الاستيطانية المتسارعة في المنطقة تهدد بعزل الأراضي الفلسطينية وتقطيع أوصالها، في الوقت الذي تواصل فيه سلطات الاحتلال الدفع بمخططات تستهدف تثبيت وجود استيطاني أكبر داخل المدينة ومحيطها.

 

وبحسب المعلومات المتداولة، تبلغ تكلفة إنشاء «مركز التراث» نحو ثلاثة ملايين شيكل، أي ما يقارب مليون دولار، على أن يُمول من ميزانية وزارة التراث الإسرائيلية لعام 2026.

 

غير أن حجم التمويل لا يعكس وحده أهمية المشروع، إذ يرى الفلسطينيون أن المركز يحمل وظيفة رمزية وأيديولوجية أكبر من حجمه الإنشائي، باعتباره مدخلًا لإعادة تقديم الموقع باعتباره جزءًا من التاريخ الإسرائيلي، رغم جذوره الفلسطينية والعربية.

 

وكان من المقرر أن يحمل المركز اسم «يوناثان»، شقيق نتنياهو الذي قُتل في عملية عنتيبي عام 1976، وهي العملية التي أرسلت خلالها إسرائيل طائرات وقوات خاصة إلى أوغندا لتحرير رهائن محتجزين هناك.

 

وجاء تنظيم حفل وضع حجر الأساس بالتزامن مع الذكرى الخمسين للعملية، في ربط واضح بين الذاكرة العسكرية الإسرائيلية وموقع فلسطيني تاريخي، وهو ما يعزز، بحسب الرؤية الفلسطينية، الطابع الأيديولوجي للمشروع.

 

 

معركة على القدس بين الذاكرة الفلسطينية وفرض الوقائع

 

ترى محافظة القدس أن ما يجري في موقع المطار ليس حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سياسة ممتدة تستهدف تهويد المدينة وتغيير معالمها العربية والإسلامية.

 

فمنذ عقود، تكثف سلطات الاحتلال مشاريع الاستيطان والهدم والتهجير والسيطرة على الأراضي، في محاولة لإحداث تغيير ديمغرافي وجغرافي داخل القدس ومحيطها.

 

ويأتي مشروع المطار ضمن هذه السياسة، إذ يهدد بتحويل منطقة فلسطينية تاريخية إلى مركز استيطاني واسع، بينما يجري في الوقت نفسه إعادة تقديم تاريخ المكان من خلال رواية تتجاهل أصله ووظيفته السابقة.

 

وحذرت محافظة القدس من أن استمرار هذه المشاريع سيقوض بصورة أكبر إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، لأن توسيع الاستيطان في شمال المدينة سيخلق واقعًا جغرافيًا جديدًا يصعب تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.

 

ومن هنا، دعت المحافظة المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بالانتهاكات التي تستهدف الأرض والهوية الفلسطينية، مؤكدة أن صمت المجتمع الدولي يمنح الاحتلال مزيدًا من المساحة لفرض مشاريعه على الأرض.

 

ويرى الفلسطينيون أن الصراع على مطار القدس لم يعد متعلقًا فقط بمبنى أو مدرج قديم، بل أصبح نموذجًا واضحًا للطريقة التي تستخدم بها سلطات الاحتلال الاستيطان والمشاريع الثقافية والأيديولوجية معًا لتغيير هوية الأماكن.

 

فالمطار، الذي كان شاهدًا على مرحلة فلسطينية وعربية من تاريخ المدينة، يراد له اليوم أن يتحول إلى مركز يروي قصة مختلفة تمامًا، بينما تمضي الخطط لإقامة أحياء استيطانية على أراضيه.

 

وبين تاريخ المكان كما عرفه الفلسطينيون، والمستقبل الذي تحاول سلطات الاحتلال فرضه، يقف مطار القدس في قلب معركة أوسع على الذاكرة والهوية والجغرافيا، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يتحول وضع حجر أساس لمركز صغير إلى مقدمة لمشروع استيطاني أكبر يعيد رسم شمال القدس بالكامل.