حذّر الخبير التعليمي الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، في مصر، عقب امتحان الكيمياء المخصص له 3 ساعات، من أن التعجيز الحكومي سيزيد هلع الطلاب وينعش الدروس الخصوصية ويرفع أسعارها.

 

وفي سياق أوسع، تكشف الأزمة كيف تدير الحكومة مستقبل مئات الآلاف بمنطق الصدمة ثم التبرير، بينما تتحول لجان الامتحان إلى مساحات خوف وبكاء وإغماء، وتكتفي الوزارة ببيانات باردة لا تلامس ما جرى للطلاب وأسرهم.

 

 

امتحان الكيمياء يكشف سياسة تعجيز لا إصلاح

 

وبدايةً، لم تكن شكاوى الطلاب اعتراضا على مجرد سؤال صعب، بل على ورقة طويلة ومركبة احتاجت زمنا أكبر من المقرر، وهو ما جعل التفوق رهنا بالقدرة على مجاراة اختبار مرهق لا بقياس التعلم الحقيقي.

 

وعلى وقع ذلك، خرج طلاب من لجان عدة وهم يؤكدون أنهم لم يتدربوا على أنماط مماثلة، وأن بعض الأسئلة استنزفت الوقت بين خطوات ذهنية متشابكة، في مشهد فضح الفجوة بين المدرسة وما تطلبه ورقة الامتحان.

 

وفي المقابل، سارعت أجهزة الوزارة إلى الحديث عن مطابقة المواصفات والنماذج الاسترشادية، كأن الختم الفني يكفي لمحو الدموع، متجاهلة أن العدالة لا تقاس بورقة مكتبية بل بقدرة الطالب المدرب فعليا على الإجابة.

 

ومن زاوية علمية، يؤكد الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس والقياس والتقويم التربوي بجامعة القاهرة، أن السؤال يصبح تعجيزيا عندما يطلب عمليات ذهنية أو مهارات لم يتدرب عليها الطالب خلال العام الدراسي.

 

وفوق ذلك، يشدد حجازي على أن وجود السؤال داخل المنهج لا يكفي وحده، لأن العدالة تقتضي تشابه مستوى التفكير والزمن المطلوب مع ما تدرب عليه الطلاب، لا مفاجأتهم بمهام جديدة داخل لحظة تحدد مستقبلهم.

 

وبهذا المعنى، تبدو حجة الوزارة عن أن الامتحان من المنهج ستارا لغويا يخفي المشكلة الأساسية، فالمأساة ليست في موقع المعلومة داخل الكتاب، بل في طريقة صياغتها والوقت المتاح والتدريب السابق على معالجتها.

 

ولذلك، فإن تحميل الطالب مسؤولية الانهيار بعد امتحان لم يراع واقع التدريب المدرسي يمثل قلبا للحقائق، لأن الوزارة التي تضع الأسئلة هي نفسها المسؤولة عن المدرسة والمعلم والتدريب والنماذج والزمن وشروط العدالة.

 

ثم إن تحويل الثانوية العامة إلى معركة أعصاب لا يصنع تعليما أفضل، بل يرسخ ثقافة الخوف ويجعل الطالب يتعامل مع المعرفة باعتبارها فخا محتملا، لا أداة للفهم والنمو وبناء القدرة على التفكير.

 

وعليه، لا تبدو الأزمة خطأ منفصلا في مادة واحدة، بل نتيجة مباشرة لسياسة تحاول إثبات الصرامة عبر رفع سقف التعقيد، بينما تهرب من السؤال الأصعب حول جودة التعليم الذي سبق الامتحان وقدرة المدرسة على إعداد الطلاب.

 

 

الخوف يملأ مراكز الدروس ويضاعف فاتورة الأسر

 

ومن جهة أخرى، حذّر تامر شوقي بوضوح من أن رفع صعوبة الأسئلة فوق مستويات الطلاب لن يهزم أباطرة الدروس الخصوصية، بل سيدفع الأسر إليهم أكثر، لأن الخوف يجعل المعلم الخاص في نظر الأهل وسيلة النجاة الوحيدة.

 

كما أن هذه السياسة تمنح سوق الدروس الخصوصية أفضل حملة دعائية مجانية، فكل امتحان صادم يتحول في اليوم التالي إلى إعلان ضخم لمراكز الدروس والمدرسين الذين يعدون الطلاب بفك شفرات الأسئلة التي عجزت المدرسة عن تدريبهم عليها.

 

وبالتالي، تصبح الحكومة شريكا غير مباشر في توسيع السوق الذي تزعم محاربته، لأنها ترفع مستوى الرعب من الامتحان من دون أن تبني مدرسة قادرة على توفير الشرح والتدريب والطمأنينة، فتدفع الأسر قسرا نحو الإنفاق الخاص.

 

وعلاوة على ذلك، يتوقع شوقي أن يستغل بعض معلمي الدروس الخصوصية خوف الأسر لرفع أسعار الحصص، وهو تحذير يكشف النتيجة الاقتصادية لسياسة الامتحان الصادم، حيث يدفع الفقراء الثمن بينما يشتري القادرون مزيدا من الفرص.

 

ومن ثم، يتسع الظلم الطبقي داخل نظام يفترض أنه وطني وموحد، لأن الطالب الذي تملك أسرته المال يستطيع شراء تدريبات إضافية ومراجعات مكثفة، بينما يدخل الطالب الأقل دخلا اللجنة معتمدا على مدرسة أضعفتها السياسات الرسمية.

 

وفي هذا الإطار، يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن اختزال مستقبل الطلاب في امتحان الثانوية العامة يغذي الدروس الخصوصية ويمنح أبناء الميسورين فرصا أكبر، وهو تشخيص قديم ما زالت الحكومة تعيد إنتاج أسبابه حتى اليوم.

 

وفضلا عن ذلك، تكشف الأزمة أن الحديث الرسمي عن تكافؤ الفرص يصبح فارغا عندما تختلف قدرة الأسر على شراء الاستعداد للامتحان، فالمنافسة لا تبدأ من خط واحد، بل من جيوب متفاوتة ومدارس متفاوتة وفرص تدريب شديدة التفاوت.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن فصل صعوبة الامتحان عن الاقتصاد المنزلي، لأن كل رسالة خوف تصدر من اللجان تتحول إلى فاتورة جديدة داخل البيوت، وتدفع الأهل إلى اقتطاع مزيد من دخلهم لتأمين ما فشلت المدرسة في تقديمه.

 

أما النتيجة، فهي منظومة تعاقب الأسرة مرتين، مرة عندما تدفع الضرائب لتمويل تعليم عام لا يمنحها الثقة، ومرة عندما تضطر إلى شراء تعليم مواز حتى لا يصبح ابنها ضحية امتحان لا يعرف قواعده الفعلية.

 

 

بيانات الوزارة تنهار أمام الدموع والتحليل الإحصائي

 

وفي أعقاب الامتحان، لم تكن صور البكاء وحالات الإغماء مجرد مشاهد عابرة، بل شهادة إنسانية على حجم الضغط الذي صنعتْه المنظومة، خصوصا مع ورود وقائع من الأقصر وقنا وتحول أبواب اللجان إلى ساحات هلع جماعي.

 

ومع ذلك، تعامل الخطاب الرسمي مع الأزمة كمسألة مواصفات فنية، متجاهلا أن الامتحان العادل لا يقاس فقط بنسبة الأسئلة المتوسطة والصعبة، بل أيضا بالأثر النفسي والزمن والتدريب وقدرة غالبية الطلاب على التعامل معه بصورة منصفة.

 

وفي الاتجاه نفسه، رفض تامر شوقي الاكتفاء بالحكم النظري على ورقة الكيمياء، مؤكدا أن الفيصل الحقيقي هو التصحيح والتحليل الإحصائي لنتائج الطلاب، لأن السؤال قد يبدو متوسطا على الورق ثم تثبت الإجابات أنه شديد الصعوبة.

 

وبدلا من ذلك، أصدرت الجهات التعليمية تفسيرات مبكرة لطمأنة الرأي العام قبل اكتمال الصورة الإحصائية، وهو ما يثير شكوكا مشروعة حول أولوية حماية سمعة المنظومة على حساب الاعتراف السريع بما تعرض له الطلاب داخل اللجان.

 

وفي ضوء ذلك، طالب شوقي بتصحيح عينة واسعة وتحليل أداء الطلاب سؤالا بسؤال، ثم مراجعة أي سؤال أخفق فيه أغلبهم، وهي آلية أكثر جدية من البيانات التي تعلن نجاح الامتحان قبل أن تتحدث النتائج الفعلية.

 

وفي الوقت ذاته، يحتاج الطلاب إلى حماية نفسية من آثار هذه الإدارة المرتبكة، فقد حذر الخبراء من الاستغراق في التفكير في الامتحان السابق، ومن انتقال الخوف إلى المواد التالية، لأن القلق المفرط يبدد التركيز ويضاعف الخسارة.

 

وفي المحصلة تكشف أزمة الكيمياء أن المشكلة ليست طالبا ضعيفا ولا أسرة مذعورة، بل حكومة تدير امتحانا مصيريا بمنطق الإنكار، وتنتج الخوف ثم تلوم ضحاياه، وتنعش الدروس الخصوصية ثم تتظاهر بأنها تحاربها، وتترك العدالة معلقة حتى إشعار آخر.