تدخل الحرب في السودان مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي، بالتزامن مع تحركات ميدانية واسعة وتحشيدات متزايدة للجيش السوداني والقوات المتحالفة معه، وسط مؤشرات على الاستعداد لشن عمليات عسكرية جديدة ضد قوات الدعم السريع في إقليمي دارفور وكردفان، اللذين تحولا خلال الشهور الماضية إلى أبرز ساحات الصراع وأكثرها حساسية.
وفي ظل هذا المشهد، رفع رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس سقف الخطاب الرسمي، مؤكدا أن الجيش بات يمسك بزمام المبادرة بصورة كاملة، وأن دارفور وكردفان أصبحتا، بحسب تعبيره، «على مرمى حجر من التحرير الكامل»، في تصريحات تعكس ثقة الحكومة السودانية في قدرة القوات المسلحة على تغيير موازين المعركة خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي تصريحات إدريس بينما تتواصل المواجهات العنيفة في عدد من المحاور، خصوصا في ولايات كردفان الثلاث وإقليم دارفور، وسط تحركات عسكرية وتجمعات للقوات على أكثر من جبهة. ويعزز ذلك التوقعات بأن الفترة المقبلة قد تشهد معارك واسعة، في وقت لا تزال فيه الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تفرض كلفة بشرية وإنسانية هائلة على ملايين السودانيين.
إدريس: الجيش يمسك بالمبادرة ومرحلة «التحرير الكامل» تقترب
وقال رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس إن القوات المسلحة باتت تمسك «تماما بزمام المبادرة»، مؤكدا أن إقليمي دارفور وكردفان أصبحا قريبين من «التحرير الكامل»، في إشارة إلى ما تعتبره الحكومة تقدما في الموقف العسكري وقدرة متزايدة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
وجاءت تصريحات إدريس خلال مشاركته في مراسم توقيع ميثاق للصلح والتعايش السلمي بين المكونات الأهلية والمجتمعية في ولاية سنار جنوب شرقي السودان، حيث ربط بين التطورات العسكرية ومساعي الحكومة لإعادة بناء الاستقرار الاجتماعي في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
وتحمل تصريحات رئيس الوزراء دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز مناسبة الصلح المجتمعي، إذ تأتي في توقيت تشهد فيه جبهات القتال تحركات مكثفة، وسط حديث عن حشود عسكرية واستعدادات لعمليات جديدة في المناطق التي لا تزال تشهد وجودا واسعا لقوات الدعم السريع.
كما تعكس تلك التصريحات محاولة الحكومة السودانية ترسيخ صورة مفادها أن موازين الحرب تتجه لمصلحتها، خصوصا بعد التحولات التي شهدتها بعض الجبهات خلال الفترة الماضية، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من دارفور وكردفان تمثل اختبارا حاسما لقدرة الجيش على توسيع نطاق سيطرته.
كردفان ودارفور في قلب المعركة وتحشيدات تنذر بمواجهات أوسع
تتركز الأنظار بصورة متزايدة على ولايات إقليم كردفان الثلاث، التي تشهد اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 25 أكتوبر الماضي، بالتوازي مع استمرار المعارك في إقليم دارفور غربي البلاد.
وأصبحت المنطقتان تمثلان مركز ثقل عسكريا واستراتيجيا في مسار الحرب، نظرا إلى اتساعهما الجغرافي وارتباطهما بخطوط إمداد وتحركات عسكرية مؤثرة. كما أن السيطرة على الطرق والمراكز الرئيسية فيهما قد تلعب دورا حاسما في تحديد اتجاه المواجهات خلال المرحلة المقبلة.
وتشير التحشيدات الجارية إلى احتمال انتقال المعارك إلى مستوى أكثر اتساعا، خصوصا مع مساعي الجيش والقوات المتحالفة معه إلى زيادة الضغط على مواقع الدعم السريع وفتح محاور جديدة. وفي المقابل، لا تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بوجود قوي في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان، ما يجعل أي محاولة لحسم المعركة مرشحة لأن تكون طويلة ومكلفة.
ويزيد من خطورة الوضع أن المناطق التي تدور فيها المواجهات تضم أعدادا كبيرة من المدنيين، فيما تسببت الحرب بالفعل في انهيار واسع للخدمات وطرق الإمداد، وأجبرت ملايين السكان على النزوح داخل السودان وخارجه.
خطاب الإعمار والمصالحات يواجه امتحان الحرب والأزمة الإنسانية
بالتوازي مع حديثه عن التطورات العسكرية، أكد كامل إدريس أن حكومته ستضاعف جهودها في مجالات التنمية والخدمات بولاية سنار، داعيا إلى الاستفادة من تجارب المصالحات المجتمعية باعتبارها «المحرك الأساسي في التنمية والإعمار».
واعتبر رئيس الوزراء أن السودانيين قادرون على أن يكونوا «في مقدمة الأمم» عبر تعزيز التعايش الاجتماعي، مؤكدا أن «إنسان السودان هو أعظم ما نملك». وتأتي هذه الرسائل في محاولة لربط المسار العسكري بمشروع أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع بعد سنوات الحرب.
غير أن الحديث عن التنمية والإعمار يصطدم بواقع شديد التعقيد، إذ خلفت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وسط مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، وفقا لتقديرات دولية.
وبينما تتحدث الحكومة عن اقتراب مرحلة «التحرير الكامل» في دارفور وكردفان، تبقى الأسئلة مفتوحة بشأن كلفة المعارك المقبلة، وقدرة الدولة على حماية المدنيين، وإعادة الخدمات إلى المناطق المنكوبة، ومنع اتساع دائرة النزوح والجوع.
وهكذا يقف السودان أمام مرحلة مفصلية؛ فالتصعيد العسكري قد يعيد رسم خريطة السيطرة على الأرض، لكنه يظل مرتبطا بامتحان أكثر صعوبة يتمثل في إنهاء الحرب، واستعادة الأمن، وإعادة بناء دولة أنهكها الصراع ودفعت مجتمعاتها ثمنا باهظا منذ أكثر من ثلاث سنوات.

