في أزمنة الفتن والاضطراب، لا يكون أوكد على المؤمن من حفظ صلته بالله سبحانه، وصيانة رصيد حسناته، والتشبث بصالح عمله الذي يرجو به النجاة يوم العرض الأكبر. فالعاقل لا يفرط في علاقته بربه، ولا يستهين بما وفقه الله إليه من طاعات سابقة، لأنه يعلم أن الفوز الحقيقي ليس في سلامة الدنيا وحدها، وإنما في السلامة يوم القيامة، كما قال تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}. ومن هنا كانت النجاة في الفتن بابا من أبواب البصيرة، لا يدخله إلا من خاف على دينه، وراقب قلبه، ولزم حدود الشرع، وتورع عن مواطن الزلل والانقسام.
النجاة أول ما يطلبه المؤمن عند اشتعال الفتن
إذا اختلف الأخيار، وتنازع الفضلاء، وتفرقت كلمة الصالحين، فإن أول ما يحتاجه العبد أن يطلب النجاة لنفسه، وألا يغتر بمكانة المختلفين أو فضلهم السابق، فإن الله قد يرحمهم بحسن سوابقهم، أو يفتح لهم باب توبة بعد خطئهم، أما هو فعليه أن يخاف على نفسه من الانزلاق في مهاوي الفتن ومضلاتها. وقد جاء في الحديث عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: أيم الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهًا} رواه أبو داود. فهذا الحديث يضع قاعدة جامعة في التعامل مع الفتن، وهي أن السلامة لا يعدلها شيء، وأن من ابتلي فصبر فقد نال خيرا عظيما.
ويقرر هذا المعنى أن الفتنة لا تظهر آثارها فقط في تضارب المواقف، بل تتجلى بصورة أشد خطرا في إهدار حقوق الأخوة، والإعجاب بالعقل، وغلبة الهوى، وهي أبواب إذا فتحت على العبد أفسدت دينه وقلبه وسلوكه.
تعظيم حقوق الأخوة في زمن الخلاف
أول الواجبات في الفتنة أن يعظم المؤمن حقوق الأخوة، وأن يرعى جانبها أشد الرعاية، لأن هذا هو وقت امتحانها الحقيقي. فالشيطان لا يطمع في شيء كما يطمع في هدم ما بين المؤمنين من محبة وستر وتقدير، وقد يزين للعبد أن إهدار الحقوق مبرر بدعوى الخطأ، أو أن الخوض في الأعراض مقبول بحجة الانتصار للحق، فيقع في الظلم وسوء الظن والاتهام والتشويه، وينسى عيوب نفسه وآفاتها.
وفي هذا المعنى جاء البيت البليغ:
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
وهذا البيت يردع النفس عن التطلع إلى الكمال في الناس، ويذكرها بأن الفضلاء بشر، وأن من النبل أن تكون عيوب المرء قليلة معدودة، لا أن يكون معصوما من الخطأ.
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الباب بيانا دقيقا فقال: (ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين من بعدهم إلى يوم الدين ـ أهل البيت وغيرهم ـ قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن، ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين، طائفة تعظمه، فتريد تصويب ذلك الفعل، واتباعه عليه، وطائفة تذمه، فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد). وهذه الكلمة العظيمة ترسم منهجا وسطا، فلا إفراط في التعظيم يفضي إلى تصويب الخطأ، ولا تفريط في الذم يفضي إلى إسقاط أهل الفضل والطعن في ديانتهم.
ولهذا كان القول والميزان والرد والقبول معروضا على الوحيين، الكتاب والسنة، فما وافقهما أخذ به، وما خالفهما رد على قائله، ولا يتصدى لمناقشة هذه المسائل إلا من كان من أهل الاختصاص والتمكن من العلماء، ولا يفتح الباب للرويبضة، وهم السفهاء الذين يتكلمون في أمر العامة بلا علم ولا دين.
ومن أعظم ما يجب تذكره أن أولى الناس برعاية حقك في الأخوة هو أخوك إذا زل أو تعثر أو انكشفت لك عثرته. ففي هذه اللحظات يظهر معدن الإيمان، ويتميز من يستر وينصح ويعذر، ممن يفضح ويتشفى ويستطيل. وقد حرم الله الغيبة والبهتان وتحقيق الأذى للمؤمنين، وحرم الظلم والنميمة والفضيحة والتدابر، وحرم كل ما يهدر الأخوة والحب والتآلف بين المؤمنين، ثم أجمل ذلك كله في قوله سبحانه: {إنما المؤمنون إخوة}. فهذا الوصف ثابت للمؤمنين، ولا يسقطه مجرد خلاف يقع بينهم.
وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يحقره، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه). فهذا الحديث أصل عظيم في صيانة المجتمع المؤمن من عوامل التآكل الداخلي، وهو يربط بين الأخوة والتقوى والعدل وحفظ الدم والمال والعرض.
ومن استقرت في قلبه هذه المعاني عظم المسلم عنده، وأحجم عن أذيته بقول أو فعل، ورعى حرمته، وأما من لم يرفع بكلام الله ورسوله رأسا، فإنه يسهل عليه هتك الأعراض والاعتداء على الحرمات، فيشبه الذين قال الله فيهم: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}. وهذا هو الوجه القبيح الذي تظهر به الفتن إذا استحكمت بين المسلمين.
اتهام العقل والتواضع عند اضطراب الأمور
أما الواجب الثاني عند وقوع الفتنة فهو اتهام العقل، والتواضع الشديد في تقدير النفس، وعدم الاغترار بالذكاء وسرعة الفهم وحسن التحليل. فكثير من الناس يدخلون الفتن من باب الثقة الزائدة في الرأي، والتعويل على الفهم المجرد، واستسهال الحكم على الأشخاص والوقائع والمآلات، مع أن العقل مهما بلغ يبقى محدودا، ويحتاج إلى نور الوحي وضبط الشرع.
وحسب المؤمن في هذا الباب أن يتأمل في قصة نبي كريم زكاه الله بالحكمة والعلم وفصل الخطاب، وهو داود عليه السلام. قال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ}. وقال سبحانه أيضا: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}. ومع هذه المنزلة العظيمة، غاب عنه فهم مسألة قضائية، وفهمها ابنه سليمان عليه السلام، كما قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)}. فإذا كان هذا وقع لنبي كريم، فكيف يطمئن الإنسان إلى عقله كل الاطمئنان، أو يرى نفسه فوق الخطأ وسوء التقدير.
ومن تمام هذا المعنى ما وقع من أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية، حين أشارت على رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي سديد، بعد أن دخل عليها مهموما محزونا لما رأى من تردد الصحابة في التحلل من الإحرام. فقالت له: يا نبي الله أتحب أن يطيعوك، فاخرج إليهم، ولا تكلم أحدًا منهم، ولا تنظر إليهم، وانحر بدنك، وادع حالقك فيحلقك، وسينصرك الله. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورتها، فكان في ذلك الفرج والانقياد. وهذا يربي المؤمن على أن الحكمة قد تظهر على لسان من لا يتوقعه الإنسان، وأن الاستبداد بالرأي آفة مهلكة.
وكذلك زكى الله رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه المخالف لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأي أبي بكر رضي الله عنه في قضية أسرى بدر، وفي ذلك دلالة على أن الصواب قد يتوزع في الأنظار، وأن الواجب هو التماس الحق لا تقديس الرأي.
وقد جاء التحذير الجامع في الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه». فهذا الحديث يختصر أصول الضلال في باب الفتن، ويجعل إعجاب المرء برأيه من جملة المهلكات التي تفسد عليه أمر دينه ودنياه.
رؤية الهوى ومجاهدته في كل موقف
أما الواجب الثالث فهو أن يرى الإنسان هواه، بل أن يبحث عنه، ويتحرى أثره في كل قول وفعل، وفي كل فكرة وشعور، وفي كل رد فعل وقرار. فالهوى من لوازم النفس البشرية، ولا يعصم منه على وجه الكمال إلا نبي كريم. وقد خص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه العصمة فقال: {لا ينطق عن الهوى}. وأما غيره من الناس فإن الهوى يلابس طبعه، ومن أنكر ذلك فقد زكى نفسه بغير حق.
ولهذا جاء النهي الصريح في كتاب الله: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. فاتباع الهوى يصد عن العدل، ويفسد الحكم، ويقود إلى الميل والجور. وقال سبحانه أيضا: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ}. فعدم الاستجابة للحق في كثير من الأحيان ليس ناتجا عن نقص الدليل، وإنما عن تغلب الهوى على القلب.
وقد أحسن الإمام الشاطبي رحمه الله في بيان هذا الأصل حين قال في ذم البدع: "أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين، ألا ترى قول الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ ص: 26]، فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك". فهذا الكلام يقرر أن العقل إذا انفصل عن الشرع لم يعد عقلا هاديا، بل صار آلة يتلاعب بها الهوى.
ولهذا عاد الحديث النبوي مرة أخرى ليؤكد هذا الأصل نفسه، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه». وتكرار هذا المعنى في التقرير ليس تكرارا لفظيا فحسب، بل هو تأكيد على أن الهوى والإعجاب بالرأي من أعظم أبواب الهلاك زمن الانقسام والاضطراب.
الاعتصام بالوحي سبيل السلامة
إذا اجتمعت هذه المعاني في قلب المؤمن، علم أن النجاة لا تكون بكثرة الجدل، ولا بتتبع كل خلاف، ولا بالخوض فيما لا يحسن، وإنما تكون بالاعتصام بالله، والتمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ورد ما أشكل إلى الله ورسوله، والوقوف عند حدود العلم، والتزام الصمت عما لا ينفع.
وفي هذا السياق يأتي القول النفيس للإمام الذهبي رحمه الله: (إذا وقعت الفتنة! فتمسك بالسنة، والزم الصمت، ولا تخض فيما لا يعنيك، وما أشكل عليك فرده إلى الله والرسول، وقف! وقل: الله أعلم). وهذه الكلمات تختصر منهج النجاة كله، لأنها تجمع بين التمسك بالأصل، وكف اللسان، ورد المشتبه إلى الوحي، والوقوف عند حد العبدية.
خاتمة
إن الفتنة لا ينجو منها من كان أسرع الناس كلاما، ولا من كان أشدهم تحليلا، وإنما ينجو منها من عظم حق الله، وخاف على حسناته، وحفظ حقوق إخوانه، واتهم رأيه، ورأى هواه، واعتصم بالوحي، واستظل بقول الله تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}. فهذه هي الغاية الكبرى، وهذا هو الميزان الذي يضبط كل موقف، ويهدي المؤمن إذا اختلطت الطرق، واضطربت النفوس، وتكاثرت دعاوى الناس وأقوالهم.

