تكشف العديد من شهادات أهالي شمال سيناء أن الجيش المصري أصدر بعد 13 عاما من الإخلاءات المتتابعة أوامر عسكرية جديدة بترحيل العائدين من قرى رفح والشيخ زويد، لتنتهي عودتهم القصيرة إلى الأرض والمزرعة والبيت بموجة تهجير ثالثة كاملة.

 

ثم يفضح هذا التهجير المتجدد جوهر السلطة التي تدعو الناس إلى الرجوع حين تحتاج صورة هادئة، ثم تنقلب عليهم حين يستقرون، لتعامل أهل سيناء كعبء أمني يجب اقتلاعه، لا كمواطنين لهم حق السكن والزرع والبقاء.

 

العودة التي انتهت إلى طرد

 

وبينما ظن كثير من المهجرين أن أبواب الرجوع فتحت أخيرا، جاءت الأوامر العسكرية بإخلاء تجمعات وقرى بدوية قريبة من الحدود مع غزة، ليكتشف العائدون أن السماح المؤقت لم يكن سوى تمهيد جديد لاقتلاعهم من جديد.

 

هكذا طالت قرارات الإخلاء قرى الخرافين والمقاطعة وأبوكبريت وتجمعات بدوية مجاورة في رفح والشيخ زويد، بعدما عاد أصحاب الأرض إلى مزارعهم ومساكنهم عقب ترحيلات سابقة فرضها الجيش لتوسيع المناطق العازلة بمحاذاة قطاع غزة.

 

كذلك لم يقف الأمر عند حدود إخراج السكان، بل شمل هدم المنازل وإخلاء البيوت وتهديد الأهالي بالاعتقال ونزع ألواح الطاقة الشمسية التي تشغل آبار الري، بما يعني ضرب السكن والزراعة والماء في لحظة واحدة.

 

غير أن القسوة الأشد تكمن في أن هذه الحملة جاءت بعد مطالبات إدارية من محافظة شمال سيناء بعودة الأهالي، بما جعل العودة نفسها تبدو استدراجا منظما أعاد الناس إلى الأرض ثم دفعهم مرة أخرى إلى المنفى.

 

لذلك تكتسب شهادة يحيى عقيل أهمية خاصة، إذ يروي أن الأهالي عادوا أولا في زيارات سريعة ثم شيدوا عششا وعراريش مؤقتة، قبل أن يتلقوا أوامر تبيح الزراعة شكلا لكنها تمنع الإقامة فعلا.

 

الأخطر أن العائدين أنفقوا ما يملكون لتركيب ألواح الطاقة الشمسية واستخراج المياه وإحياء زراعاتهم، وما إن بدأت الأرض تسترد عافيتها حتى جاء القرار النهائي الصريح بطردهم خارج المزارع والبيوت ومنعهم من الرجوع نهائيا.

 

وفي المقابل يصف عقيل الأثر الاجتماعي لهذه السياسة على الفلاحين والحرفيين وأصحاب الأعمال الصغيرة، مؤكدا أن من يقتلع للمرة الثالثة أو الرابعة لا يخسر بيتا فقط، بل يفقد شبكته الاقتصادية وأمانه ومعنى الاستقرار نفسه.

 

سجل طويل من الهدم والإكراه

 

منذ أكتوبر 2014 بدأ الجيش عمليات إخلاء وهدم واسعة لآلاف المنازل في رفح لإنشاء منطقة عازلة، ثم اتسعت الإجراءات تدريجيا حتى شملت المدينة بأكملها، وتحولت الحدود إلى شريط اقتلاع ممتد بطول 13 كيلومترا وعمق 5 كيلومترات.

 

وبحسب الأرقام الواردة عن هيومان رايتس ووتش، فإن عاما واحدا شهد تدمير 3225 مبنى سكنيا وتجاريا وإداريا ومجتمعيا، وتجريف نحو 685 هكتارا من الأراضي المزروعة، فيما فقدت قرابة 3200 عائلة منازلها ومصدر عيشها.

 

علاوة على ذلك يضع هذا المسار الدولة في مواجهة مباشرة مع المادة 63 من الدستور المصري التي تحظر التهجير القسري التعسفي بجميع صوره، ما يجعل ما جرى انتهاكا قانونيا صريحا لا مجرد تدبير أمني قابل للتبرير.

 

كما أن بيان 8 منظمات حقوقية في 23 يونيو لم يتحدث عن مزاعم فضفاضة، بل عن ممارسات محددة ينفذها الجيش الثاني الميداني لإجبار سكان الخرافين والمقاطعة وتجمعات رفح والشيخ زويد على المغادرة تحت التهديد.

 

وإلى جانب ذلك نقلت تلك المنظمات عن شهود عيان تعرض الأهالي لحملات من قوات معسكر الزهور، تضمنت أوامر شفهية بالإخلاء وتهديدات بالاعتقال وإزالة العشش وتفكيك ألواح الطاقة الشمسية، ما دفع عشرات الأسر إلى الرحيل.

 

فوق ذلك يزيد الصمت الرسمي خطورة الوقائع، لأن الناس يواجهون الإخلاء من دون إعلان يوضح الأسباب أو يحدد المصير، فيصبح التهديد مفتوحا والحق معلقا والاعتراض مستحيلا، وتتحول الحياة كلها إلى انتظار قاس لقرار شفهي.

 

وبناء على ذلك يبدو اعتصام المهجرين السلمي في أغسطس 2023 محطة كاشفة، إذ لم تواجه الدولة مطلب العودة بالحوار أو التسوية، بل فضته بالقوة واعتقلت العشرات وأحالتهم إلى المحاكمة العسكرية في رسالة ترهيب جماعية.

 

على هذا الأساس يصبح عدم تنفيذ وعد اللواء محمد ربيع لشيوخ القبائل بعودة أهالي رفح دليلا إضافيا على أن الوعود الرسمية لا تفتح باب الرجوع، بل تؤجل الصدمة فقط، ثم تعيد إنتاجها حين يظن الناس أن الجرح التأم.

 

تفريغ الحدود وهواجس المصير

 

في المقابل يذهب يحيى عقيل إلى أن موجة التهجير الجديدة لا تنفصل عن التزام مطلوب بإبقاء المنطقة خالية من السكان، بحيث يظهر النظام لاحقا رافضا لمخططات التهجير بينما يكون قد أعد الأرض مسبقا لتقبلها.

 

ولأن الإخلاء يتكرر على امتداد 13 عاما داخل مساحة تبلغ 61 ألف كيلومتر مربع، فقد تحولت المخاوف من مجرد هواجس إلى أسئلة ثقيلة عن المقصود الحقيقي من تفريغ سيناء، ومن المستفيد من بقاء الأرض فارغة.

 

تبعا لذلك ترتبط هذه الهواجس بما أثير خلال حرب غزة عن خطط تهجير فلسطينيين إلى رفح المصرية وشمال سيناء، خاصة مع تصريحات أمريكية تحدثت عن التهجير مقرونا بالتعمير، بما جعل كل إخلاء جديد وقودا لقلق أوسع.

 

وفي هذا المناخ يزداد غضب الأهالي حين ينظرون إلى المدن الجديدة التي بنتها الدولة وشركات الجيش ثم لا يجدون فيها بديلا حقيقيا لهم، فتتحول الكتل الخرسانية المحاطة بأسوار عالية من وعد بالسكن إلى باعث ريبة وخوف.

 

وبالفعل تزيد المعطيات الخاصة برفح الجديدة والشيخ زويد الجديدة من هذا القلق، إذ تتحدث الوقائع عن جدران تمتد 12 كيلومترا وأخرى 38 كيلومترا، وعن مدينة تضم 626 عمارة و10 آلاف وحدة و400 بيت بدوي.

 

وأخيرا يقود تسلسل الوقائع كلها إلى خلاصة لا لبس فيها، وهي أن ما يضرب شمال سيناء ليس إجراء عابرا ولا استثناء مؤقتا، بل سياسة ممتدة تكسر حق العودة وتبدد العمران وتنتج فراغا حدوديا بالقوة.