حذرت هيئة الدواء المصرية في 3 منشورات رسمية خلال أبريل 2026 من عبوات مقلدة ومجهولة المصدر متداولة في السوق المصرية لثلاثة مستحضرات، وطالبت بوقف تداولها وضبطها وتحريزها فوراً لحماية المرضى.
وتكشف التحذيرات الثلاثة وجهاً خطيراً لأزمة رقابية تمس حق المصريين في علاج آمن، إذ يجد المرضى أنفسهم بين أسعار مرتفعة وأسواق مضطربة وعبوات مزيفة قد تحول الدواء من وسيلة نجاة إلى تهديد مباشر.
وأشارت الهيئة إلى أن التحذيرات تخص تشغيلات محددة فقط، ولا تشمل المستحضرات الأصلية المتداولة عموماً، داعية المواطنين إلى الشراء من مصادر موثوقة والرجوع إلى الصيادلة والإبلاغ الفوري عن أي عبوات يشتبه في سلامتها.
استهداف علاج الضعف الجنسي يفضح سوقاً مربحة للغش
كشفت الهيئة عن عبوات مقلدة من مستحضر سياليس بتركيز 20 مليجراماً، تحمل رقم التشغيلة دي 753224، بناء على إفادة الشركة المستوردة، وأمرت بوقف تداول العبوات المشبوهة وضبطها وتحريزها داخل الأسواق المصرية.
وبحسب النص، يحتوي المستحضر على مادة تادالافيل المستخدمة لعلاج ضعف الانتصاب لدى الرجال، عبر تحسين تدفق الدم عند وجود تحفيز جنسي، كما يستخدم في بعض الحالات لعلاج أعراض تضخم البروستاتا الحميد بإشراف طبي.
وفي المقابل، لا يكمن الخطر في اسم المستحضر الأصلي، بل في العبوات المقلدة التي قد لا تضمن المادة الفعالة أو الجرعة أو ظروف التصنيع، بما يجعل استخدامها مغامرة صحية خارج أي رقابة حقيقية.
ويقول رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية بالقاهرة علي عوف إن الغش الدوائي يستهدف بصورة خاصة الأدوية مرتفعة الثمن والأكثر مبيعاً، لأنها تحقق أرباحاً سريعة وكبيرة لمن يتاجرون بصحة المرضى داخل السوق.
وبالتالي، فإن ظهور عبوات مقلدة من علاج واسع الطلب يطرح سؤالاً قاسياً حول قدرة الرقابة على منع وصول المنتجات المزيفة إلى المستهلك قبل التحذير منها، لا الاكتفاء بملاحقتها بعد انتشارها في السوق.
كما طالبت الهيئة المواطنين بالتأكد من مصدر الدواء والرجوع إلى الصيدلي عند الشك، مع التواصل عبر الخط الساخن 15301، وهو تنبيه يعيد مسؤولية اكتشاف الخطر جزئياً إلى المريض رغم محدودية قدرته الفنية.
علاج العدوى بين العبوات المجهولة وخطر الاستخدام الخاطئ
وحذرت الهيئة أيضاً من عبوات مجهولة المصدر من مستحضر تافانيك بتركيز 500 مليجرام، تحمل رقم التشغيلة إف إي جي 026، بعدما أفادت الشركة المنتجة بأن بعض العبوات المتداولة لا تتبعها.
ويحتوي المستحضر على مادة ليفوفلوكساسين، وهي مضاد حيوي واسع المدى يستخدم في علاج عدوى بكتيرية تشمل التهابات الجهاز التنفسي والمسالك البولية وبعض التهابات الجلد والأنسجة، ويجب تناوله تحت إشراف طبي.
ومن جهة أخرى، فإن تداول مضاد حيوي مجهول المصدر يضاعف الخطر، لأن المريض قد يتعرض لدواء غير مطابق، بينما يؤدي الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية إلى مشكلات صحية ويزيد احتمالات مقاومة البكتيريا للعلاج.
ويؤكد عضو غرفة صناعة الدواء محمد البهي أن نشاط الغش يتزايد في أوقات الأزمات ونقص بعض المستحضرات، موضحاً أن ممارسات التقليد قد تشمل العبث بعبوات منتهية الصلاحية ووضع بيانات جديدة عليها.
وعليه، فإن التحذير من تافانيك لا ينبغي قراءته كواقعة منفصلة، بل كإنذار بشأن ثغرات تسمح لعبوات مجهولة باختراق سوق يحتاج المرضى فيه إلى الثقة الكاملة في مصدر الدواء وسلامة سلسلة التوزيع.
وفوق ذلك، شددت الهيئة على أن التحذير يخص التشغيلات الواردة في المنشور فقط، وهو توضيح ضروري لمنع الذعر، لكنه لا يلغي السؤال عن كيفية وصول عبوات لا تخص الشركة المنتجة إلى التداول.
ولذلك، يصبح الضبط والتحريز خطوة متأخرة إذا لم تتبعها محاسبة واضحة لمسار دخول العبوات وتوزيعها، لأن إزالة المنتج من الرف لا تكفي من دون كشف من صنعه ومن مرره ومن استفاد من بيعه.
دواء أورام حساس يدخل دائرة العبوات مجهولة المصدر
أما أخطر التحذيرات فتعلق بمستحضر كيترودا للحقن بتركيز 100 مليجرام لكل 4 مليلترات، إذ رصدت الهيئة عبوات مجهولة المصدر تحمل رقم التشغيلة إس 20491 ومدوناً عليها اسم الشركة المنتجة رسمياً.
وذكرت الهيئة أن العبوات تحمل تواريخ إنتاج وانتهاء محددة، لكنها مجهولة المصدر وفق إفادة إدارة التفتيش على المستحضرات الحيوية، مطالبة بوقف تداولها وضبطها وتحريزها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة فوراً داخل السوق.
ويستخدم كيترودا في علاج عدد من الأورام، بينها سرطانات الرئة والجلد والرأس والرقبة وأنواع معينة من سرطانات المثانة والكلى، ويعطى داخل المستشفيات بالحقن الوريدي وتحت إشراف طبي متخصص ودقيق للغاية.
غير أن وصول عبوات مجهولة المصدر إلى دواء مخصص لمرضى الأورام يجعل القضية أكثر فداحة، لأن هؤلاء المرضى لا يملكون ترف التجربة، وأي خلل في العلاج قد يهدر وقتاً حاسماً في مسار المرض.
ويحذر الرئيس السابق للتفتيش الصيدلي مصطفى السيد من خطورة الأدوية المغشوشة والمهربة وغير المطابقة للمواصفات، مؤكداً أهمية الحملات الرقابية وفحص الأسواق بصورة مستمرة لمنع تداول مستحضرات تهدد سلامة المرضى مباشرة.
وعلاوة على ذلك، تكشف التحذيرات الثلاثة أن الغش لم يعد محصوراً في مستحضر واحد أو فئة محددة، بل طال علاجاً للضعف الجنسي ومضاداً حيوياً ودواءً حيوياً شديد الحساسية لمرضى الأورام.
وبناء على ذلك، لا يكفي مطالبة المواطنين بالحذر والشراء من مصادر موثوقة، لأن العبوات المقلدة قد تحمل أرقام تشغيلات وبيانات تبدو صحيحة، بينما يظل كشفها مسؤولية رقابية وفنية لا يقدر عليها المستهلك وحده.
ومن ناحية ثانية، فإن تكرار منشورات الغش التجاري يفرض على الجهات المختصة إعلان نتائج التحريات للناس، حتى يعرف المواطنون كيف دخلت العبوات ومن وزعها، بدلاً من بقاء القضية عند حدود التحذير والسحب.
لهذا، فإن حماية المرضى تتطلب رقابة تبدأ من الاستيراد والتخزين والتوزيع ولا تنتهي عند الصيدلية، مع تتبع العبوات المشبوهة ومحاسبة المتورطين، لأن صحة الناس لا تحتمل إدارة الأزمة بمنشورات متفرقة.
وفي النهاية، تضع منشورات هيئة الدواء السوق أمام اختبار حقيقي: إما ملاحقة شبكات الغش من المصدر وإغلاق طرق التوزيع والمحاسبة العلنية، أو استمرار دوامة التحذيرات التي تصل بعد أن تكون العبوات قد وجدت طريقها إلى المرضى.

