أثار مقطع فيديو متداول لرئيس مركز ومدينة طوخ بمحافظة القليوبية، المهندس وائل جمعة، موجة من الجدل، بعدما ظهر خلال حملة لإزالة الإشغالات في شارع بورسعيد وهو يدفع بعض البضائع المعروضة على الأرض بقدمه، في مشهد تجاوز النقاش حول مخالفة إشغال الطريق إلى أسئلة تتعلق بطريقة تعامل المسؤول مع المواطنين وممتلكاتهم، وحدود السلطة التي تمنحها الوظيفة العامة لمن يتولاها.

 


لم يعرض مجرد حملة روتينية لإزالة الإشغالات، بل قدم صورة لمسؤول يستخدم قدمه في تحريك بضائع تمثل بالنسبة إلى أصحابها مصدر رزق، وهي صورة أعادت إلى الواجهة مشاهد متكررة لمسؤولين يتعاملون مع المواطنين من موقع التعالي، وكأن إنفاذ القانون يمنح صاحبه الحق في إهانة الناس أو التعامل باستخفاف مع ما يملكون.


وبحسب المعلومات المتداولة عن الواقعة، فإن الحملة نُفذت قبل نحو أسبوعين في شارع بورسعيد ومنطقة السوق بمدينة طوخ، بينما أشار مصدر بمحافظة القليوبية إلى أن شخصاً ظهر معترضاً على الحملة كان يؤجر أماكن للباعة مقابل 100 جنيه للفرشة الواحدة. غير أن هذه الرواية، حتى بافتراض صحتها، لا تجيب عن السؤال الأساسي الذي فجره الفيديو: ما الذي يبرر لرئيس مدينة أن يتعامل مع بضائع المواطنين بقدمه؟


فمواجهة المخالفات لها أدوات قانونية وإدارية معروفة، من تحرير المحاضر إلى رفع الإشغالات ومصادرة المخالفات وفق الإجراءات المقررة، أما ركل البضائع فلا يبدو إجراءً إدارياً ولا تنفيذاً للقانون، وإنما سلوكاً يكشف طريقة ينظر بها بعض المسؤولين إلى أصحاب الأعمال البسيطة.


البضائع تحت الأقدام.. أين ينتهي إنفاذ القانون ويبدأ التعالي على المواطنين؟


لا يتعلق الجدل الذي أثاره الفيديو بوجود إشغالات في الشارع من عدمه، ولا بحق الجهات المحلية في تطبيق القانون، وإنما بالطريقة التي ظهر بها رئيس المدينة وهو يستخدم قدمه في إزالة البضائع.


فالمسؤول الذي يمثل الدولة لا يفترض أن يتصرف باعتباره طرفاً في مشاجرة، ولا أن يتحول ظهوره في الشارع إلى استعراض للقوة على مواطنين تختلف أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية عنه. كما أن البضاعة التي تُركل أمام الكاميرات ليست مجرد أشياء ملقاة على الأرض، بل قد تكون رأس المال الوحيد لبائع يعتمد عليها لإطعام أسرته.


وتعيد الواقعة إلى الذاكرة مشاهد أخرى ظهر فيها مسؤولون خلال حملات إزالة أو تفتيش وهم يلقون البضائع أو يتعاملون بعنف مع ممتلكات الباعة، بما يجعل المشكلة أوسع من تصرف فردي، ويطرح سؤالاً عن ثقافة إدارية تسمح أحياناً للمسؤول بأن يتعامل مع المواطن من أعلى، بدلاً من أن ينظر إلى نفسه باعتباره موظفاً عاماً مكلفاً بخدمته.


وفي هذا السياق، تكشف رؤية أستاذة علم الاجتماع هالة يسري جانباً من الخلفية الاجتماعية لظاهرة الباعة الجائلين؛ إذ ربطت انتشارها بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبحث فئات واسعة عن مصادر دخل في ظل ضغوط المعيشة. وهذا التحليل يضع البائع في سياقه الحقيقي: مواطن تحاصر ظروفه الاقتصادية خياراته، وليس مجرد عائق ينبغي إزالته من الصورة.


وهنا تصبح طريقة التعامل جزءاً من المشكلة. فحتى عندما يرتكب البائع مخالفة، لا تسقط عنه كرامته، ولا تتحول بضاعته إلى شيء مباح إهانته تحت أقدام المسؤولين.


وما ظهر في فيديو طوخ يفتح الباب أمام سؤال أكثر إزعاجاً: هل يرى بعض المسؤولين أن وجود قوة أمنية وحملة مصورة يمنحهم الحق في إظهار الشدة على الأضعف، بينما تختفي هذه اللغة تماماً أمام أصحاب النفوذ والمصالح الكبرى؟.


قطع الأرزاق بلا بدائل.. حملة تنتهي ويبقى البائع بلا مكان ولا دخل


تتحرك حملات الإشغالات عادة تحت عنوان استعادة الشوارع والأرصفة، لكن السؤال الذي يظل غائباً هو: إلى أين يذهب الباعة بعد رفع بضائعهم؟


فإزالة البائع من مكانه لا تعني اختفاء احتياجات أسرته، كما أن رفع «الفرشة» لا يوفر له عملاً، ومصادرة البضاعة لا تمنحه مصدراً آخر للدخل.


ورغم أن الواقعة جرى تقديمها باعتبارها حملة ضد الإشغالات، فإن المعلومات المتاحة لم تتضمن حديثاً واضحاً عن توفير أماكن بديلة للباعة أو تسوية أوضاعهم أو منحهم مواقع يستطيعون من خلالها مواصلة العمل دون تعطيل الطريق.


وهنا يبرز الخلل الأكبر في كثير من هذه الحملات: إزالة النتيجة وترك السبب.


وقد طالب خبير الإدارة العامة والمحلية الدكتور حمدي عرفة، في حديث سابق عن أزمة الباعة الجائلين، المحافظين ورؤساء الأحياء بتوفير أماكن مخصصة لهم، منتقداً غياب الجدية لدى المسؤولين وانحصار التعامل أحياناً في التصريحات. كما اعتبر الباعة الجائلين جزءاً من اقتصاد مواز يحتاج إلى التنظيم وليس إلى الإزالة فقط.


ولا تبدو هذه الفكرة بعيدة عن حالة طوخ. فحتى لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب سبق أن طالبت بإنشاء أسواق بديلة وباكيات وأكشاك صغيرة، والتواصل مع الباعة وتنظيم أوضاعهم، بدلاً من إدارة الأزمة بمنطق الحملات المؤقتة التي تنتهي ثم تعود الإشغالات من جديد.

 

ومن ثم، يصبح السؤال المطروح على المسؤولين في طوخ: ما البديل الذي جرى تقديمه لهؤلاء الباعة؟


فإن كانت الإجابة أنه لا يوجد بديل، تصبح الحملة مجرد نقل للأزمة من مكان إلى آخر، مع تحميل أصحاب الدخول المحدودة وحدهم كلفة العجز الإداري عن إيجاد حل دائم.


وإن كانت هناك ظاهرة تتمثل في فرض أموال على الباعة مقابل «الفرشات»، كما ذكر المصدر، فلماذا لم يجر التعامل معها طوال السنوات الماضية؟ ومن سمح بنشوء هذه المنظومة واستمرارها؟ وكيف بقيت تعمل حتى احتاج الأمر إلى حملة مصورة ومشهد واسع للقوات والمسؤولين؟.


المشكلة هنا ليست فقط في البائع الذي يشغل الطريق، بل في إدارة تركت الظاهرة تتضخم ثم ظهرت فجأة أمام الكاميرات لتقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحل.


أين كان المسؤول طوال السنوات الماضية؟ طوخ ليست مدينة بلا إشغالات


يفتح الفيديو باباً آخر لا يتعلق بالباعة وحدهم، بل بطريقة أداء المسؤولين المحليين.


فإذا كان شارع بورسعيد يعاني، وفق الرواية المتداولة، من الإشغالات منذ سنوات، فأين كانت الأجهزة المحلية خلال كل هذه الفترة؟


وإذا كان رئيس المدينة يشغل موقعه منذ فترة تسمح له بمعرفة أوضاع الشوارع، فلماذا تُترك المخالفات حتى تتراكم ثم تتحول إزالتها إلى حملة ضخمة ومشهد مصور؟.


وهل انتهت الإشغالات في مدينة طوخ ومركزها بالكامل، حتى يصبح رفع بضائع عدد من الباعة مناسبة تستحق هذا الحضور والاستعراض؟.


إن الإدارة الجادة لا تظهر مرة واحدة أمام الكاميرات ثم تختفي، ولا تنتظر تراكم المشكلة حتى يصبح حلها مناسبة إعلامية. فالواجب اليومي لرئيس المدينة وأجهزة الوحدة المحلية هو متابعة الشوارع باستمرار ومنع المخالفات قبل تحولها إلى أمر واقع.


وقد سبق للجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب أن شددت على أن مواجهة الإشغالات تحتاج إلى عمل دوري ونقاط ارتكاز مستمرة، لا إلى أسلوب «الكر والفر»، كما أكدت ضرورة المرور المتواصل حتى لا تعود الظاهرة بعد انتهاء الحملات.


ومن زاوية اقتصادية، يؤكد الخبير الاقتصادي عادل عامر أن الباعة الجائلين جزء من الاقتصاد غير الرسمي، وأن التعامل معهم يحتاج إلى دمجهم وتوفيق أوضاعهم وإنشاء أسواق توفر لهم فرص عمل آمنة، بعيداً عن الاكتفاء بالحلول الأمنية.


وهذه الرؤية تكشف الفارق بين الإدارة والحملة؛ فالإدارة تضع خطة مستمرة، وتحصر الباعة، وتوفر البدائل، وتمنع عودة المخالفة، بينما الحملة تلتقط الصور وترفع البضائع لساعات أو أيام، ثم تترك الأسباب كما هي.


ومن هنا، لا يكفي أن يظهر رئيس مدينة طوخ في حملة ويزيح البضائع بقدمه. الأهم أن يجيب عن سؤال بسيط: ماذا فعل خلال السنوات الماضية حتى لا يصل الشارع إلى هذه الحالة؟.


فالمدينة لا تحتاج إلى مسؤول يبحث عن لحظة استعراضية، بل إلى إدارة تمنع المشكلة من الأصل، وتعمل يومياً بعيداً عن الكاميرات.
من حملة إشغالات إلى مشهد بروباجندا.. لماذا يحتاج أداء الواجب إلى الكاميرات؟.


أحد أكثر الأسئلة التي يطرحها الفيديو يتعلق بمشهد «اللقطة» الذي أصبح ملازماً لكثير من الحملات المحلية.


مسؤول في مقدمة المشهد، قوة أمنية، كاميرات، بضائع تتحرك، ومواطنون يراقبون.


لكن ماذا يحدث في اليوم التالي؟


هل تستمر المتابعة؟ وهل يمنع الموظفون عودة الإشغالات؟ وهل يجري حصر الباعة وتنظيم أوضاعهم؟ وهل يُحاسب من سمح بتراكم المشكلة لسنوات؟


أم ينتهي كل شيء بانتهاء التصوير؟


فالقيام بالواجب ليس إنجازاً استثنائياً، وإزالة المخالفات ليست مناسبة دعائية، ورئيس المدينة لا يؤدي عملاً تطوعياً حين يتابع الشوارع التابعة له.


وإذا كانت الإدارة المحلية تحتاج في كل مرة إلى حملة مكبرة حتى تقوم بما يفترض أن تنفذه يومياً، فإن ذلك لا يعكس قوة الإدارة بقدر ما يكشف ضعف المتابعة السابقة.


ويشدد محمد عبد القادر، الأمين العام السابق للنقابة المستقلة للعمالة غير المنتظمة، في رؤيته للتعامل مع الباعة، على ضرورة حصر هذه العمالة وتسكينها وتوفير فرص عملها بدلاً من تركها في مواجهة حملات الإزالة وحدها.


وهنا يظهر الفارق بين حل المشكلة وتصويرها.


فالحل يبدأ من معرفة عدد الباعة، وتحديد أماكن بديلة، ومنع تحصيل الأموال منهم بصورة غير قانونية، وتنظيم الشارع باستمرار، ومحاسبة الموظف الذي يسمح للمخالفة بالعودة.


أما تصوير مسؤول وهو يركل البضائع، فلا يثبت نجاح الإدارة، بل يطرح أسئلة عن طبيعة العلاقة التي أصبحت قائمة بين بعض أصحاب المناصب والمواطنين.


لقد كشف الفيديو أكثر مما أرادت الحملة أن تظهره. كشف أن مشكلة الإشغالات لا تزال قائمة، وأن التعامل معها ما زال يعتمد على الحملات الموسمية، وأن المواطن البسيط قد يجد نفسه في مواجهة مسؤول يتعامل مع مصدر رزقه بقدمه.


ويبقى السؤال الأهم: هل وظيفة رئيس المدينة أن يركل البضائع أمام الكاميرات، أم أن يمنع المشكلة من الوصول إلى هذه النقطة منذ البداية؟.


فالمدن لا تدار باللقطات، ولا تُحل أزماتها بالحملات المؤقتة، واحترام القانون لا ينفصل عن احترام الإنسان.