سجلت محاضر الشرطة ودفاتر المستشفيات 6 حوادث دامية على طريق قنا سفاجا الصحراوي خلال الأسبوع الماضي، أسفرت في نطاق قنا والبحر الأحمر عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 35 آخرين، وسط استمرار الخطر بلا حسم.
تكشف هذه الحصيلة أن الطريق لم يعد مجرد ممر صعب، بل صار شاهدا على عجز رسمي مزمن يترك أبناء الصعيد والمسافرين تحت رحمة بنية ناقصة، ثم يتعامل مع الضحايا باعتبارهم أرقاما عابرة في نشرات الحوادث.
يمتد الطريق بين قنا وسفاجا باعتباره شريانا حيويا يربط محافظات الوجه القبلي بساحل البحر الأحمر، ويخدم حركة السياحة والتعدين والمحاجر والاستثمار، لكن أهميته الاقتصادية لم تمنحه حتى الآن مستوى الأمان الذي يساوي حجم الاعتماد عليه.
وتبدأ الخطورة من طبيعة جغرافية قاسية، إذ يشق الطريق سلاسل جبلية وعرة وتقاطعه منحنيات حادة ومنحدرات مفاجئة، بينما تضيق الرؤية في قطاعات متعددة، فتتحول لحظة التردد أو الانحراف البسيط إلى بداية مأساة يصعب تداركها.
ضعف الإنارة في قطاعات طويلة يضاعف خطورة القيادة ليلا
كما أن غياب الازدواج الكامل في بعض الأجزاء يفرض على الحافلات وسيارات الأجرة والمركبات الخاصة السير بمحاذاة شاحنات النقل الثقيل والمقطورات، داخل مسار محدود يضاعف احتمالات التصادم المباشر ويجعل الخطأ البشري أكثر فتكا.
علاوة على ذلك، يفاقم ضعف الإنارة في قطاعات طويلة من خطورة القيادة ليلا، خصوصا عند المنحنيات والمناطق الجبلية، حيث يحتاج السائق إلى رؤية مبكرة ومسافة كافية لاتخاذ القرار، بينما لا يمنحه الطريق دائما هذه الفرصة.
ومن جهة أخرى، يؤدي انقطاع تغطية شبكات المحمول لمسافات طويلة إلى تعطيل طلب النجدة وتحديد مواقع المصابين، فتضيع دقائق حاسمة بين وقوع الحادث ووصول الإنقاذ، ويصبح البعد الجغرافي جزءا من الخطر لا مجرد وصف للمكان.
ويؤكد حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، أن السلامة المرورية منظومة تشترك فيها عناصر الطريق والمركبة والسائق وإدارة الحركة، وهو تشخيص يفضح قصور أي معالجة تلاحق السائق وحده وتتجاهل عيوب البنية المحيطة.
وبالتالي، فإن تحميل الحوادث دائما لاختلال عجلة القيادة أو السرعة يحجب السؤال الأهم عن قدرة الطريق نفسه على احتواء الخطأ وتقليل نتائجه، فالممر الآمن لا يلغي الخطأ البشري لكنه يمنع تحوله السريع إلى حكم بالموت.
أرقام دامية تكشف حجم المأساة
سجل الكيلومتر 20 في 3 مايو انقلاب سيارة ملاكي في الاتجاه المؤدي إلى سفاجا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 4 آخرين بجروح وكسور متفاوتة، ليعود الموقع نفسه إلى سجل الحوادث الدامية خلال فترة قصيرة.
وقبل ذلك، شهد الكيلومتر 30 في 30 أبريل انقلاب سيارة ركاب كانت تقل عددا من المواطنين، فأصيب 10 أشخاص ونقلوا إلى المستشفى، بينما تجددت الأسئلة بشأن تكرار الانقلابات على الطريق ذاته من دون تدخل حاسم.
ثم في 23 أبريل، وقع حادث آخر عند الكيلومتر 20 إثر انقلاب سيارة ركاب، وأسفر عن مقتل مواطن وإصابة 14 شخصا، لتتراكم حصيلة جديدة فوق سجل لم يعد يحتمل وصف ما يجري بأنه حوادث فردية.
وفي 18 مارس، لقي شخص مصرعه وأصيب 3 آخرون بعد انقلاب سيارة ملاكي على بعد 10 كيلومترات من مدينة سفاجا، مؤكدا أن الخطر موزع على امتداد الطريق ولا يتوقف عند نقطة واحدة أو نوع مركبة بعينه.
كذلك شهد نطاق محافظة قنا انقلاب سيارة أسفر عن مقتل سيدتين من محافظة أسوان، في واقعة تضيف بعدا إنسانيا آخر للمأساة، لأن الطريق لا يهدد سكان محافظة واحدة بل يعبره مسافرون من أنحاء الصعيد.
إلى جانب ذلك، وقع تصادم مروع بين شاحنتي نقل ثقيل عند الكيلومتر 25، وأسفر عن مقتل شخصين وإصابة 4 آخرين، بما يكشف حجم الخطر الذي تخلقه حركة المقطورات الثقيلة حين تتقاطع مع مسار ضيق ومفتوح للجميع.
وحين تجمع هذه الوقائع وحدها، تظهر حصيلة تبلغ 7 قتلى و35 مصابا، وهي أرقام لا تشمل كل ما شهده الطريق على مدار السنوات، لكنها تكفي لكشف نمط متكرر يستدعي مساءلة سياسية وإدارية لا مجرد التعاطف.
وفي هذا السياق، يرى أيمن الضبع، استشاري تخطيط وهندسة المرور وخبير سلامة الطرق، أن ضبط الحركة يحتاج منظومة متكاملة من التعليم والتدريب والرقابة والمتابعة والردع، لا إجراءات منفصلة تظهر بعد الكارثة ثم تختفي.
ومن ثم، فإن تكرار الحوادث في نطاقات معروفة يمنح الجهات المختصة أساسا واضحا لتحديد النقاط السوداء ومراقبة السرعات وإعادة تنظيم حركة الشاحنات، لكن استمرار النزيف يوحي بأن الاستجابة ما زالت أبطأ من حجم الخطر.
غير أن الأرقام لا تكشف وحدها حجم الألم، فخلف كل قتيل أسرة فقدت عائلا أو ابنا، وخلف كل مصاب رحلة علاج وتكاليف وعجز محتمل، بينما يبقى الطريق مفتوحا كأن شيئا لم يحدث بعد كل جنازة.
استغاثات تتكرر ومسؤولية لا تسقط
يطالب أهالي الصعيد منذ سنوات بمعالجة جذرية تبدأ باستكمال ازدواج الطريق، لأن الفصل بين اتجاهي الحركة يقلل احتمالات التصادم المباشر ويمنح المركبات مساحة أكثر أمنا، بدلا من إجبار الجميع على تقاسم ممر ضيق تحت ضغط السرعة.
ولزيادة مستوى الحماية، تحتاج القطاعات المظلمة إلى إنارة شاملة لا تجميلية، مع علامات عاكسة وحواجز أمان وتحذيرات مبكرة قبل المنحنيات والمنحدرات، بحيث يجد السائق أمامه طريقا يشرح مخاطره قبل أن يفاجئه بها.
لذلك، تصبح نقاط الإسعاف المجهزة على مسافات متقاربة ضرورة لا خدمة إضافية، فالفارق بين الحياة والموت قد يكون دقائق، ولا يجوز أن تحدد عزلة الطريق الجغرافية مصير المصاب أو فرص وصوله إلى رعاية عاجلة.
وبناء على ذلك، يجب معالجة انقطاع شبكات المحمول باعتباره جزءا من ملف السلامة، لأن طريقا يمتد عبر الصحراء والجبال لا يمكن أن يظل بلا اتصال موثوق، فيما تعتمد الاستغاثة وتحديد المواقع وتوجيه الإنقاذ على سرعة التواصل.
ويرى أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، أن تصميم الطريق نفسه قد يكون سببا في تكرار الحوادث، وهي قاعدة تجعل فحص المنحنيات والرؤية والتقاطعات ضرورة فنية لا ترفا مؤجلا بعد سقوط الضحايا.
في المقابل، لا تكفي حملات السرعة المؤقتة إذا غابت رقابة دائمة على الشاحنات والمقطورات ومواعيد حركتها وحمولاتها، لأن ترك المركبات الصغيرة في مواجهة النقل الثقيل داخل قطاعات ضيقة يعيد إنتاج الخطر مهما كثرت البيانات الرسمية.
وأمام ذلك، تتحمل وزارة النقل وهيئة الطرق والكباري مسؤولية إعلان خطة زمنية واضحة تتضمن مواقع الازدواج والإنارة والإسعاف والتغطية، فالمواطن لا يحتاج وعدا عاما جديدا بل يحتاج موعدا محددا ينتهي عنده هذا النزيف.
وأخيرا، يبقى طريق قنا سفاجا اختبارا صريحا لقيمة حياة المواطن في حسابات الدولة، فالشريان الذي ينقل الثروة والسياح والبضائع لا يجوز أن يواصل نقل الجثامين أيضا، بينما تتكرر الاستغاثات وتبقى المعالجة أقل من المأساة.

