أثار الهجوم الجوي الذي استهدف مواقع للتعدين التقليدي عن الذهب شمال مثلث حلايب في 16 يونيو تساؤلات واسعة بشأن أهداف العملية العسكرية المصرية. ويعرض الكاتبان حسن الناصر وحازم ثروت، في تقريرهما، شهادات ميدانية ومعلومات من مسؤولين مصريين وسودانيين تكشف الخلفيات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي أحاطت بالعملية.
ويقول أحد عمال المناجم السودانيين إن الطائرات قصفت مواقع التعدين مع ساعات الفجر، بعدما سبقت الضربات أيام من التحليق الاستطلاعي وانتشار القوات على الأرض، الأمر الذي دفع آلاف المنقبين إلى الفرار.
ويشير موقع مدى مصر إلى أن العملية لم تقتصر على الضربات الجوية، بل أعقبها انتشار واسع للقوات المصرية وسيطرتها على منطقتي التعدين الرئيسيتين في جبل العقيدات وجبل الأحمر، بينما نقلت السلطات عدداً من العمال السودانيين إلى معبر أرقين تمهيداً لإعادتهم إلى السودان. كما نقل التقرير عن مصدر طبي سوداني أن حصيلة القتلى بلغت 23 شخصاً، وهي أقل كثيراً من الأرقام التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي عقب الهجوم.
السيطرة على الذهب وتعزيز نفوذ الدولة
يكشف التقرير أن القاهرة تنظر إلى مناطق التعدين الواقعة قرب الحدود الجنوبية الشرقية باعتبارها ثروة استراتيجية ينبغي أن تخضع بالكامل لإدارة الدولة. وأكد مسؤولان مصريان أن الضربات استهدفت مجموعات سودانية دخلت الأراضي المصرية ومارست استخراج الذهب دون تراخيص، بينما تخشى السلطات من تحول شبكات التعدين والتهريب إلى جماعات مسلحة قادرة على فرض نفوذها في المنطقة الحدودية.
ويربط التقرير بين العملية العسكرية وخطة أوسع تنفذها الدولة منذ سنوات لإحكام السيطرة على قطاع الذهب، بعدما توسعت أنشطة التعدين التقليدي عقب عام 2011. وتعمل الحكومة، بحسب مصادر رسمية، على تحديث الخرائط الجيولوجية وتوسيع الاستثمارات التعدينية، في وقت يواجه فيه المستثمرون صعوبة في استغلال الامتيازات بسبب استمرار نشاط المنقبين غير الرسميين.
ويلفت التقرير إلى الدور الذي تؤديه شركة شلاتين للثروة المعدنية، المملوكة لجهات حكومية وعسكرية، في تنظيم التعدين وجمع نصيب الدولة من الإنتاج. كما يذكر أن الشركة حاولت قبل أشهر فرض سيطرتها على بعض مواقع الإنتاج، لكن مقاومة المنقبين دفعتها إلى التراجع آنذاك، قبل أن تعود القوات المصرية لتفرض سيطرتها عقب العملية الأخيرة.
الهواجس الأمنية على الحدود المصرية السودانية
يرى مسؤولون مصريون أن القضية لا ترتبط فقط بالذهب، بل بأمن الحدود أيضاً. فقد أدى غياب السيطرة الحكومية الكاملة داخل الجانب السوداني إلى انتشار جماعات قبلية ومسلحة تتنافس على مناجم الذهب ومسارات التجارة، ما أثار مخاوف القاهرة من تحول هذه المجموعات إلى قوى مسلحة مستقلة يصعب احتواؤها مستقبلاً.
ويشير التقرير إلى تصاعد التوتر بين قبيلتي الرشايدة والبشاريين في منطقة رتاج السودانية بسبب النزاع على مناطق التعدين والأسواق المرتبطة بها، وهو ما دفع السلطات السودانية إلى عقد اجتماعات أمنية عاجلة ونشر قوات لاحتواء الموقف. كما تدخل زعماء القبائل لمنع تحول الخلاف إلى مواجهة واسعة، في حين دعا رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان سكان المنطقة إلى احترام الحدود وعدم عبورها لتجنب تكرار مثل هذه الحوادث.
وأكد مصدر عسكري سوداني أن السلطات تواصل تحذير المنقبين من تجاوز الحدود المصرية، بينما تجري المؤسسات الرسمية السودانية تحقيقات حول العملية العسكرية تمهيداً لإصدار موقف رسمي بشأنها.
رسائل سياسية تتجاوز ملف التعدين
يخلص التقرير إلى أن العملية حملت أيضاً أبعاداً سياسية وإقليمية، إذ نقل عن مسؤولين مصريين اعتقادهم بأن القاهرة تسعى إلى توجيه رسالة واضحة تؤكد استمرار سيادتها على مثلث حلايب وشلاتين وعدم استعدادها للتراجع عن هذا الموقف، خاصة مع التطورات التي تشهدها الحرب السودانية وإمكانية ظهور تفاهمات إقليمية جديدة قد تمس النزاع الحدودي.
ويضيف التقرير أن مصر تراقب بقلق تطورات العلاقات بين السودان وعدد من القوى الإقليمية، وترى أن أي ترتيبات جديدة قد تؤثر في موازين القوى بمنطقة البحر الأحمر. ولهذا اكتسبت العملية العسكرية، وفق المسؤولين، بعداً يتجاوز مواجهة التعدين غير القانوني ليصل إلى تثبيت معادلات الأمن والسيادة في المنطقة.
وفي المقابل، أثارت الضربات موجة واسعة من الانتقادات داخل السودان، بينما وصف مسؤولون مصريون تلك الانتقادات بأنها جزء من حملات دعائية، مؤكدين أن أي اختراق للحدود سيقابَل بإجراءات حاسمة. ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن استمرار الحرب في السودان، وغياب حلول اقتصادية للآلاف الذين يعتمدون على التعدين التقليدي، إلى جانب تعقيدات النزاع الحدودي، يجعل احتمال تكرار مثل هذه العمليات قائماً خلال الفترة المقبلة.
https://www.madamasr.com/en/2026/06/25/feature/politics/what-is-behind-the-egyptian-military-operations-in-the-southeastern-desert/

