أعاد قرار قطع عشرات أشجار الكافور بمحافظة الغربية الجدل حول سياسات الحفاظ على البيئة والتعامل مع الغطاء النباتي في مصر، بعدما أعلنت الإدارة العامة لري الغربية طرح مزايدة علنية لقطع وبيع 63 شجرة كافور على جانبي بعض المجاري المائية، أبرزها ترعة القاصد بمدينة طنطا.
وبينما بررت وزارة الموارد المائية والري القرار بضرورات تنفيذ مشروع لتوسعة الطريق وتطوير كورنيش ترعة القاصد، اعتبر مهتمون بالبيئة وحقوقيون أن ما جرى يمثل خسارة بيئية تستوجب مراجعة، خاصة في ظل الدعوات الرسمية المتكررة للتوسع في التشجير ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
وأثار الإعلان موجة من الغضب بين المواطنين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا إزالة الأشجار إهدارًا للغطاء النباتي، فيما بادر عدد من المهتمين بالشأن البيئي إلى تقديم شكاوى رسمية عبر بوابة الشكاوى الحكومية، مطالبين بوقف تنفيذ المزاد والتحقيق في مدى الالتزام بالقوانين المنظمة لقطع الأشجار، وبيان ما إذا كانت الجهات المختصة ستلتزم بزراعة الأشجار البديلة التي ينص عليها القانون.
مزايدة لقطع الأشجار تشعل الغضب.. وتحرك قانوني لوقف التنفيذ
بدأت الأزمة مع إعلان الإدارة العامة لري الغربية عن طرح مزايدة علنية لبيع وقطع أشجار الكافور الواقعة على جانبي ترعة القاصد وبعض المجاري المائية، وهو ما اعتبره كثيرون خطوة تتعارض مع الحاجة إلى الحفاظ على المساحات الخضراء في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد تأثيرات التغير المناخي.
ودفع الإعلان المحامي أحمد الصعيدي، المتخصص في القضايا البيئية والمناخية ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، إلى تقديم شكوى رسمية عبر بوابة الشكاوى الحكومية، طالب فيها بوقف المزاد وفتح تحقيق للتأكد من التزام الإدارة العامة لري الغربية بالإجراءات القانونية المنظمة لقطع الأشجار.
وأكد الصعيدي أن القضية لا تتعلق بمجرد إزالة عدد من الأشجار، وإنما بضرورة احترام القوانين التي تنظم التعامل مع الثروة الشجرية، خاصة أن أشجار الكافور تمثل جزءًا من الغطاء الأخضر الذي يسهم في تحسين جودة الهواء والحد من آثار التغيرات المناخية، فضلاً عن دورها في الحفاظ على التوازن البيئي على امتداد المجاري المائية.
وزارة الري: الأشجار تعرقل مشروع توسعة الطريق.. والحقوقيون يطالبون بزراعة البدائل
وفي ردها على الشكوى، أوضحت وزارة الموارد المائية والري أن إزالة الأشجار جاءت في إطار تنفيذ مشروع تطوير كورنيش ترعة القاصد، بداية من كوبري قحافة وحتى كلية الهندسة بطول يقارب كيلومترين، وأن الأشجار تقع داخل نطاق الأعمال الخاصة بتغطية الجنابية الأولى للقاصد وتدبيش الجسر، بما يجعلها متعارضة مع تنفيذ المشروع.
وأشارت الوزارة إلى أن رئيس مركز ومدينة طنطا تقدم بطلب لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لقطع الأشجار بعد الحصول على موافقة إدارة شؤون البيئة بمحافظة الغربية، كما تم تشكيل لجنة فنية لمعاينة الأشجار، ورفع تقريرها إلى اللجنة المختصة التي وافقت على عملية القطع، قبل اعتماد القرار من رئيس مصلحة الري في الأول من مارس 2026.
ورغم إشادته بسرعة استجابة الوزارة والرد المهني المدعوم بالمستندات، أكد أحمد الصعيدي أن الرد لم يتضمن أي إشارة إلى تنفيذ الالتزام القانوني بزراعة ثلاثة أشجار بديلة مقابل كل شجرة يتم قطعها، وهو ما اعتبره نقطة جوهرية تستوجب التوضيح، مطالبًا بفتح تحقيق رسمي لتحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذ هذا الالتزام وضمان عدم فقدان المنطقة لغطائها الشجري.
بين التنمية والحفاظ على البيئة.. معادلة تحتاج إلى توازن
تكشف أزمة أشجار الكافور عن التحدي القائم بين تنفيذ مشروعات البنية التحتية والحفاظ على الموارد البيئية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الري أن إزالة الأشجار جاءت بعد استكمال الإجراءات القانونية وضمن مشروع يهدف إلى تطوير الطريق وتحسين الخدمات، يرى المدافعون عن البيئة أن التنمية لا ينبغي أن تكون على حساب الأشجار، بل يجب أن تترافق مع خطط واضحة للتعويض البيئي.
ويؤكد أحمد الصعيدي أن الأشجار المحيطة بالترع تؤدي أدوارًا بيئية مهمة، من بينها الحفاظ على المياه الجوفية، وتدعيم جسور الترع بصورة طبيعية، وتحسين المشهد الحضاري، وتقليل آثار التغيرات المناخية، مشددًا على أن التعامل مع إزالة 63 شجرة لا ينبغي أن يكون باعتبارها خطوة إجرائية عادية، وإنما باعتبارها قضية تمس التوازن البيئي.
كما أشار إلى أن تعدد الجهات صاحبة الولاية على الأشجار يمثل أحد التحديات التي تستدعي وضوحًا أكبر في تحديد المسؤوليات، سواء كانت الأشجار تتبع الوحدات المحلية أو مجالس المدن أو الجهات الحكومية المختلفة، بما يضمن تنفيذ الالتزامات القانونية المتعلقة بالتعويض البيئي.
وفي المقابل، ترى وزارة الري أن الأشجار الكبيرة الموجودة على جسور الترع قد تعوق تنفيذ بعض المشروعات، كما تشير لجان الزراعة والري بمجلس النواب إلى أن جذور بعض الأشجار قد تؤثر على البنية الخرسانية للترع بعد أعمال التبطين، فضلاً عن استهلاكها كميات من المياه قد تؤثر على كفاءة وصولها إلى نهايات الترع.
وبين مبررات التطوير ومخاوف المهتمين بالبيئة، تبقى قضية أشجار الكافور في الغربية نموذجًا للنقاش الدائر حول كيفية تحقيق التنمية دون المساس بالغطاء الأخضر، مع استمرار المطالبات بأن تكون أي أعمال إزالة مصحوبة بخطط واضحة وملزمة لزراعة الأشجار البديلة، حفاظًا على حق الأجيال القادمة في بيئة صحية ومتوازنة.

