تكشف ذكرى 3 يوليو في مصر مفارقة سياسية قاسية، إذ بقي محمد مرسي صاحب 365 يومًا في الحكم أكثر حضورًا من عبد الناصر 15 عامًا، والسادات 11 عامًا، ومبارك 30 عامًا.
وبالتالي، لا تتعلق الزاوية بمديح عاطفي لأنصار مرسي، بل بمحاكمة ذاكرة سياسية عجزت سلطة السلاح عن دفنها، لأن من أزيح بالقوة صار أوسع حضورًا ممن جلسوا على الحكم عقودًا.
الانقلاب الذي صنع الحضور
كما أن 3 يوليو لم يسحب مرسي من السلطة فقط، بل منحه موقعًا رمزيًا لم يكن ليصنعه عام واحد في ظروف طبيعية، لأن الانقلاب حوّل الرئيس المنتخب إلى شاهد دائم على اغتيال المسار الديمقراطي.
لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا يتذكر أنصار مرسي رئيسهم، بل لماذا يضطر خصومه إلى استدعائه كل عام، ولماذا يظل اسمه حاضرًا كلما حاولت السلطة الاحتفال بيوم إقصائه.
ومن ثم، تفوق مرسي على حكام العقود لأن قصته لم تنته بانتخابات خسرها أو محاسبة شعبية مفتوحة، بل انتهت بدبابة عطلت الدستور واعتقلت الرئيس وأغلقت المجال العام بالقوة.
غير أن عبد الناصر والسادات ومبارك امتلكوا زمن السلطة، بينما امتلك مرسي لحظة الشرعية المجهضة، وهذه اللحظة المختطفة أشد تأثيرًا من سنوات طويلة انتهت إلى هزائم أو اغتيال أو ثورة شعبية.
علاوة على ذلك، رأى أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي أن 3 يوليو كان خروجًا على المسار الديمقراطي، وهو توصيف يضرب جوهر رواية السلطة التي أرادت تسويق الانقلاب كتصحيح لا كإلغاء.
بناءً على ذلك، لم تعد المقارنة بين مرسي ومبارك مقارنة إنجازات مجردة، بل مقارنة بين رئيس جاء من صندوق اقتراع ورئيس انتهى بثورة، ثم نظام عاد ليحكم بالخوف لا بالاختيار.
سؤال الشرعية الذي لم يمت
في المقابل، لم يكن حضور مرسي نابعًا من كمال تجربته، بل من الطريقة التي قُطعت بها، فالأخطاء السياسية تموت داخل صناديق الاقتراع، أما الإطاحة المسلحة فتتحول إلى جريمة ذاكرة.
ثم إن تجربة مرسي بقيت مفتوحة على سؤال ماذا لو، وهو سؤال لا يطارد أنصاره فقط، بل يطارد كل من شارك في إغلاق التجربة قبل أن تختبرها دورة سياسية كاملة.
كذلك، كان الرجل أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، ولذلك لم يكن إسقاطه إسقاط شخص واحد، بل إسقاط معنى خطير على كل سلطة تخاف انتقال الحكم بإرادة الناس.
لزيادة المعنى، يؤكد سيف الدين عبد الفتاح في قراءاته لانقلاب 3 يوليو أن المسألة ليست شخص مرسي وحده، بل كسر إرادة الأمة وتحويل السياسة إلى إدارة قهر فوق المجتمع.
وعليه، بقي مرسي حاضرًا لأنه حمل معنى أكبر من منصبه، فقد صار علامة على لحظة كان يمكن فيها للمصري أن يرى صوته مؤثرًا، قبل أن يصادر الجنرال النتيجة باسم الإنقاذ.
من ناحية أخرى، عجزت السلطة عن إنتاج شرعية بديلة تقنع الناس خارج دوائر الدعاية، فكلما احتاجت إلى تبرير نفسها عادت إلى تشويه مرسي، وكلما شوهته أعادت الاعتراف بحضوره.
هكذا، لم يهزم مرسي حكام الثلاثين عامًا بطول البقاء في القصر، بل بهزيمة خصومه في معركة المعنى، لأنهم امتلكوا السلاح والإعلام والسجون، ولم يمتلكوا رواية تقنع التاريخ.
رئيس العام الواحد وحكام الثلاثين عامًا
وبينما حكم مبارك 30 عامًا وانتهى عنوانًا للفساد والركود والتوريث، بقي مرسي عنوانًا لصراع الشرعية، ولذلك يصبح حضوره في الجدل السياسي أكبر من سنوات حكمه، وأثقل من أرقام المدة.
كما أن السادات خرج من التاريخ الرسمي محاطًا بسلام منفرد وانفتاح مشوه واغتيال سياسي، وعبد الناصر خرج مثقلًا بالهزيمة والقمع، أما مرسي فخرج من الحكم محاصرًا ثم من الدنيا مظلومًا.
لذلك، تملك قصة مرسي قوة درامية لا يملكها حكام العقود، فهي تبدأ بصندوق، وتنكسر بانقلاب، وتمتد بسجن، وتنتهي بوفاة داخل قاعة محكمة، ثم تعود كل عام كاتهام مفتوح.
وفوق ذلك، يرى أيمن نور أن 3 يوليو كان انقلابًا كاملًا لا ثورة شعبية خالصة، كما يشير إلى أدوار إقليمية في صناعة المشهد، وهو ما يربط سقوط مرسي بشبكة مصالح أوسع.
ومن هنا، لم يعد مرسي مجرد رئيس سابق، بل صار وثيقة اتهام ضد نظام نشأ من لحظة قسرية، وكلما طال عمر هذا النظام زاد احتياجه إلى نفي تلك اللحظة لا تجاوزها.
إضافة إلى ذلك، فإن رحيل مرسي بعد سنوات من الحبس جعل ذاكرته أكثر صلابة، لأن الوفاة لم تُقرأ كخاتمة شخصية، بل كجزء من مسار عزل وإهانة وانتقام سياسي ممتد.
وعلى هذا الأساس، فشل من أزاحوه في تحويله إلى هامش، لأنهم صنعوا منه مركزًا دائمًا للسؤال: هل كانت المشكلة في رئيس منتخب يمكن تغييره، أم في دولة رفضت أصل الاختيار.
في النهاية، تفوق مرسي على حكام الثلاثين عامًا لأنه لم ينافسهم في طول الحكم، بل فضحهم في معنى الحكم نفسه، فبقي عامه الواحد أقوى من عقود حكمت بالجهاز والخوف.

