أعادت الذكرى الـ13 في مصر فتح ملف بيان 3 يوليو 2013، حين أعلن الجنرال عبدالفتاح السيسي الانقلاب على الرئيس الشرععي الراحل الدكتور محمد مرسي وتعطيل الدستور، فانتهى أول مسار انتخابي رئاسي بعد الثورة إلى حكم عسكري متجدد.
في المقابل، لم تعد الواقعة مجرد خلاف على انتقال سياسي، بل صارت جرحا إنسانيا مفتوحا، لأن البيان الذي وعد بالمصالحة والتمكين والعدالة انتهى إلى سجون واسعة، وإقصاء سياسي، ومجال عام مخنوق.
وعليه، بدا السؤال المركزي بعد 13 عاما أكثر قسوة: ماذا بقي من خريطة الطريق غير كلماتها الأولى، بعدما تبدلت وعود عدم طلب السلطة إلى سلطة كاملة أعادت ترتيب الدولة حول شخص السيسي.
خريطة طريق على مقاس السلطة
بداية، قدم البيان نفسه باعتباره استجابة لضغط شعبي، مستخدما لغة عاطفية تزعم أن القوات المسلحة لا تطلب حكما ولا سلطة، بينما كانت النتيجة الفعلية فتح الباب أمام صعود وزير الدفاع إلى الرئاسة.
كذلك، شملت الخريطة تعطيل الدستور مؤقتا، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية بإدارة المرحلة، وتشكيل حكومة كفاءات، ومراجعة التعديلات الدستورية، وهي بنود صنعت واجهة قانونية لقرار أمني سبق السياسة.
غير أن الترتيب الذي جرى لاحقا كشف جوهر الانقلاب، إذ تقدمت الانتخابات الرئاسية على البرلمانية، وتحول مسار المرحلة الانتقالية إلى طريق مختصر نحو تثبيت السيسي رئيسا قبل بناء أي رقابة تشريعية حقيقية.
في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة أن القوى المدنية تلقت البيان كمدخل لتسريع التحول الديمقراطي، قبل أن يتضح لاحقا أن الإجراءات كانت ستارا مؤقتا لخريطة أخرى صيغت وفق طموحات السيسي.
وبالتالي، لم تكن المشكلة في نصوص الخريطة وحدها، بل في السلطة التي احتكرت تفسيرها وتنفيذها، فصار كل بند قابلًا للتعديل أو التجاهل متى تعارض مع تثبيت الحكم الجديد وتحصين رأسه.
ومن ثم، تحولت فكرة المرحلة المؤقتة إلى مشروع دائم، إذ لم تعد المؤسسة العسكرية وسيطا بين الفرقاء، بل أصبحت مركز السلطة، وصاحبة القرار النهائي في المجال السياسي والأمني والإعلامي والاقتصادي.
كما أن الحديث عن انتخابات عاجلة لم ينتج حياة سياسية مفتوحة، بل أنتج نظاما انتقائيا يحدد من يترشح، ومن يظهر، ومن يصمت، ومن يدفع ثمن الاعتراض داخل السجون أو المنافي.
وعلاوة على ذلك، كشف مسار الدستور الجديد أن التعطيل المؤقت لم يكن استراحة تقنية، بل كان إعادة كتابة لقواعد اللعبة، بحيث تمنح السلطة الجديدة غطاء دستوريا وتحرم الخصوم من العودة إلى المنافسة.
مصالحة مؤجلة وعدالة غائبة
ثم إن بند المصالحة الوطنية بدا منذ البداية الأكثر هشاشة، لأنه صدر في لحظة إقصاء رئيس منتخب واعتقال قيادات سياسية وإغلاق قنوات إعلامية، أي في لحظة كانت تحتاج ضمانات لا عبارات مطمئنة.
لاحقا، دفنت السلطة هذا البند عمليا تحت ركام رابعة والنهضة، حيث تحولت الدعوة إلى المصالحة إلى خطاب أمني يعتبر الخصوم تهديدا وجوديا، لا شركاء محتملين في أي تسوية وطنية.
لذلك، يصف ممدوح المنير البيان بأنه خديعة كبرى اعتمدت على إثارة العواطف والظهور بمظهر الزاهد في السلطة، بينما كشف الواقع أن النظام اختار سحق محاولات الإصلاح منذ بدايتها.
وبناء على ذلك، لم تظهر لجنة مصالحة وطنية فاعلة تمثل مختلف التوجهات، ولم تفتح السلطة تحقيقا سياسيا جامعا في الدماء والانتهاكات، بل وسعت دائرة العقاب لتشمل أحزابا وشبابا وإعلاميين وحقوقيين.
إضافة إلى ذلك، اختفت العدالة الانتقالية من المشهد بعدما صارت عبئا على الحكم الجديد، لأن أي مسار جاد للمحاسبة كان سيقود بالضرورة إلى سؤال المسؤولية عن الفض والاعتقال والإخفاء والتعذيب.
في المقابل، جرى استبدال المصالحة بالمراجعات الأمنية، والحوار بالإملاءات، والسياسة بإجراءات العفو المحدودة، لتظل أبواب المجال العام مواربة فقط لمن يقبل حدود السلطة ولا يقترب من أصل الأزمة.
ومع ذلك، بقيت الذاكرة العامة شاهدة على أن خريطة الطريق وعدت بجبر الانقسام، بينما أنتجت انقساما أعمق، لأن السلطة لم تبحث عن شراكة وطنية بل عن غلبة نهائية على خصومها.
ومن ناحية أخرى، حاول بعض شركاء مشهد 3 يوليو لاحقا تبرئة مواقعهم، لكن تبرير التراجع لا يمحو حقيقة أنهم ظهروا في الصورة التي منحت الانقلاب غطاء مدنيا ودينيا وسياسيا.
إعلام مؤمم وشباب خلف القضبان
إلى جانب ذلك، نص البيان على ميثاق شرف إعلامي يكفل الحرية والمهنية والمصداقية، لكن السنوات التالية شهدت إغلاقا للمنابر، وملاحقة للصحفيين، وتحول الإعلام إلى ذراع تعبئة دفاعية عن النظام.
هنا، يؤكد أيمن نور أن الإعلام المصري لم ير أسوأ من سنوات ما بعد الانقلاب، معتبرا أن الشرف الإعلامي انهار حين صار التحريض والتخوين والتبرير الأمني جزءا من خطاب السلطة اليومي.
وبالمثل، لم يتحقق بند تمكين الشباب ودمجهم في مؤسسات الدولة، إذ خرج شباب الثورة من المجال العام بين السجن والمنع والمطاردة، بينما صعدت واجهات شبابية منزوعة الاستقلال داخل مؤتمرات السلطة.
لزيادة إحكام الصورة، جاءت المبادرات الرسمية للشباب كمنصات عرض لا أدوات مشاركة، فالمطلوب كان إنتاج تأييد منظم لا تمكين جيل شارك في الثورة وطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
أما قطب العربي، فيرى أن تقديم الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية عكس شهوة السلطة، وأن الانقلاب على لجنة المصالحة وإلغاء مسار العدالة الانتقالية كشفا مبكرا حدود الوعود التي حملها البيان.
ومن جهة ثانية، بدا تأميم الإعلام متصلا بتأميم السياسة، لأن صوتا مستقلا في الصحافة أو التلفزيون كان كافيا لكسر الرواية الرسمية، ولذلك جرى تضييق المساحات حتى لا يبقى إلا خطاب واحد.
في النهاية، لم تسقط خريطة 3 يوليو لأنها عجزت عن التنفيذ فقط، بل لأنها كانت محكومة منذ لحظتها الأولى بتناقض قاتل، فهي تعد بالديمقراطية بينما تبدأ بإلغاء نتائج صندوق انتخابي.
ولهذا، تبقى الذكرى الـ13 مناسبة لمراجعة كلفة البيان لا لاستعادة لغته، فقد تحول الوعد بالمصالحة إلى خصومة دائمة، والوعد بالتمكين إلى إقصاء، والوعد بعدم الحكم إلى حكم لا يقبل المنازعة.

