كثف جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية في جنوب لبنان خلال اليومين الماضيين، بالتزامن مع زيارة معلنة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الأراضي اللبنانية المحتلة، حيث أكد أن قواته لن تنسحب ما دام حزب الله يشكل تهديداً. وبين القصف المدفعي وتفجير المنازل والتمشيط بالأسلحة الرشاشة، بدا الاتفاق الأمني الأخير، المدعوم أمريكياً، عاجزاً عن وقف التصعيد أو فرض جدول واضح لانسحاب الاحتلال.
تصعيد ميداني يسبق السياسة
شهدت بلدات جنوب لبنان موجة جديدة من الاعتداءات الإسرائيلية، بعدما قصفت المدفعية أطراف بلدة بيت ياحون، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة على الطريق بين كونين وبنت جبيل. كما أطلقت قوات الاحتلال النار باتجاه سيارة قرب بلدة نبع إبل السقي، من دون تسجيل إصابات، في مؤشر على استمرار التعامل الإسرائيلي مع الجنوب باعتباره ساحة مفتوحة للتدخل العسكري.
ولم يقتصر التصعيد على القصف وإطلاق النار، إذ نفذت القوات الإسرائيلية ليلاً عمليات تفجير لعدد من المنازل في منطقة بيت ياحون ـ حداثا، إلى جانب تفجير آخر في بلدة الطيري. وهذه العمليات تعيد إلى الواجهة سياسة العقاب الميداني وتدمير الممتلكات، بما يضاعف خسائر السكان ويؤخر أي عودة طبيعية للنازحين إلى قراهم.
وتأتي هذه التطورات في لحظة يفترض أن تشهد بدء تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة، لا تصعيداً ميدانياً واسعاً. غير أن الوقائع على الأرض تكشف أن الاحتلال يتحرك وفق منطق مختلف، يقوم على فرض شروطه بالقوة، وإبقاء الجنوب تحت ضغط النار، حتى في ظل الحديث عن التهدئة والانسحاب الجزئي.
فالرسالة الإسرائيلية واضحة: لا انسحاب مجانياً، ولا عودة كاملة للهدوء إلا وفق شروط تل أبيب الأمنية. وبهذا المعنى، يصبح القصف وتفجير المنازل جزءاً من التفاوض بالقوة، لا مجرد خروقات عسكرية معزولة، خصوصاً مع تزامنه مع تصريحات نتنياهو من داخل الأراضي اللبنانية المحتلة.
نتنياهو يكرس الاحتلال باسم التهديد
زيارة نتنياهو إلى الأراضي اللبنانية التي يحتلها جيش الاحتلال الإسرائيلي حملت دلالة سياسية كبيرة، لأنها جاءت بعد الاتفاق الأمني الأخير بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية، وفي وقت ينتظر فيه اللبنانيون مؤشرات فعلية على الانسحاب. لكنه بدلاً من إعلان جدول زمني واضح، خاطب الجنود قائلاً إن قواته لن تغادر جنوب لبنان حتى زوال التهديد.
وقال نتنياهو، بحسب بيان صادر عن مكتبه، إن إسرائيل تصر على عدم مغادرة جنوب لبنان ما دام حزب الله موجوداً ومسلحاً ومهدداً لها. وهذه الصيغة تمنح الاحتلال مبرراً مفتوحاً للبقاء، لأن تعريف التهديد يبقى بيد إسرائيل وحدها، بلا سقف زمني ولا معيار واضح يمكن مراقبته أو محاسبته.
وانضم إلى نتنياهو خلال الزيارة وزير الدفاع يسرائيل كاتس وكبار المسؤولين العسكريين، في مشهد أراد منه رئيس الوزراء الإسرائيلي تأكيد أن الجنوب اللبناني لم يعد ملفاً تفاوضياً فقط، بل جزء من معركة الردع الداخلي والخارجي. فالزيارة تخاطب الجنود والجمهور الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه ترسل رسالة ضغط إلى لبنان.
وتزداد خطورة المشهد لأن الاتفاق الأمني المدعوم من الولايات المتحدة ينص، بحسب المطروح، على انسحاب القوات الإسرائيلية من منطقتين تجريبيتين وتسليمهما إلى الجيش اللبناني. لكن غياب التفاصيل والجدول الزمني يفرغ الاتفاق من مضمونه، ويترك لإسرائيل مساحة واسعة للمناورة والتأجيل وربط كل خطوة بشروط إضافية.
كما أن حديث نتنياهو عن امتلاك حزب الله نحو 12 ألف صاروخ وقذيفة، وزعمه قتل 9 آلاف مقاتل في لبنان، يندرج ضمن خطاب تعبوي يبرر استمرار العمليات العسكرية. فالأرقام الضخمة، من دون إطار زمني واضح أو تحقق مستقل، تستخدم لتسويق فكرة أن الحرب لم تنته وأن الاحتلال ضرورة أمنية.
اتفاق أمني أم غطاء لبقاء الاحتلال؟
يثير الاتفاق الأمني الأخير تبايناً حاداً داخل لبنان وإسرائيل. فواشنطن وتل أبيب وحكومة جوزاف عون تقدمه باعتباره مدخلاً إلى التهدئة واستعادة السيادة اللبنانية، بينما يرى معارضوه أنه يربط الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وإعادة الإعمار بنزع سلاح حزب الله، بما يحول السيادة إلى ملف مشروط بإرادة خارجية.
ومن زاوية المعارضين، لا يعيد الاتفاق السيادة بقدر ما يمنح إسرائيل حقاً عملياً في مواصلة العمل العسكري داخل لبنان تحت عنوان مواجهة التهديدات. وهذه الصيغة، إذا ثبتت، تجعل أي منطقة لبنانية قابلة للاستهداف متى قررت تل أبيب أن فيها خطراً، حتى لو كان هناك وقف إطلاق نار أو مسار تفاوضي قائم.
لذلك رحب نتنياهو بالاتفاق بوصفه إنجازاً يكرس بقاء الحزام الأمني إلى حين تجريد حزب الله من سلاحه، بينما رفضه حزب الله وحلفاؤه وقوى نقابية وحزبية لبنانية باعتباره تنازلاً عن السيادة ومحاولة لإضفاء شرعية على الاحتلال. وبين الروايتين، يظل الجنوب هو الساحة التي تدفع الثمن المباشر.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي الضغط لتنفيذ الاتفاق إلى صدام داخلي في لبنان، خاصة في ظل الانقسام السياسي الحاد والأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستمرة. فربط الانسحاب الإسرائيلي بملف السلاح لا يفتح فقط مواجهة مع حزب الله، بل يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة الخطورة بين ضغط الخارج وانقسام الداخل.
ومنذ الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار في 16 أبريل، ثم تمديده في 23 أبريل لمدة 3 أسابيع، قبل تمديده مجدداً في 15 مايو لمدة 45 يومًا، واصلت إسرائيل استهداف مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع. وحتى بعد وقف جديد أُعلن في 20 يونيو، عادت العمليات والتفجيرات إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة.
وفي المحصلة، لا يبدو أن جنوب لبنان يتجه إلى تهدئة مستقرة، بل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تستخدم إسرائيل الاتفاق الأمني لتثبيت حضورها لا لإنهائه، وتستعمل خطاب التهديد لتبرير القصف والتفجير. وبين احتلال يرفض تحديد موعد للانسحاب، ودولة لبنانية محاصرة بالضغوط، يبقى المدنيون والقرى الحدودية في قلب معركة مفتوحة عنوانها السيادة المؤجلة.

