بقلم الدكتور عبد الله سيف
تمر الساحة الدعوية والحركية بمرحلة استثنائية من تاريخها، تتطلب من الجميع وقفة مراجعة وتأمل عميقة. وفي ظل الظروف المعقدة التي يعيشها الصف في الداخل والخارج، تخرج بين الحين والآخر أطروحات ومقالات تحاول تشخيص الأزمة والمطالبة بالإصلاح وتفعيل قيم "الشورى والاجتماع". ورغم نبل المقاصد المبتغاة في كثير من هذه الكتابات، إلا أن طغيان لغة السجال واستدعاء المواقف الخلافية السابقة قد يؤدي، دون قصد، إلى تكريس واقع الشقاق وتعميق الفجوة، بدلاً من تقديم حلول عملية تلم الشمل وتوحد الكلمة.
تؤكد الأدبيات الفكرية المعاصرة على ملمح أصيل، وهو أن "الاجتماع والشورى" هما الغاية والأساس الذي تبنى عليه المحاضن الدعوية، وأن "اللوائح والبنود" ما هي إلا وسائل تخدم هذه الغايات وتضبط حركتها.
بيد أن المعالجة الراشدة للأزمات البنيوية تقتضي منا ألا ننكر " اللوائح" بالكلية، بل السعي لبناء نموذج مرن يجمع بين حركية الواقع وضبط المؤسسة؛ إذ إن نقد الأطر الإدارية دون تقديم بدائل إجرائية متوافق عليها قد يدخل الصف في حالة من السيولة التنظيمية التي يصعب معها اتخاذ قرار موحد، مما يتطلب تضافر الجهود لصياغة رؤية جامعة تجمع بين مرونة الشورى وهيبة النظام.
إن من أكبر تحديات الخطاب الحركي الحالي هو جنوحه أحياناً نحو قراءة المبادرات والدعوات من منظور الخصومة السابقة. فحين تُطرح دعوات للتآلف أو المصالحة، فإن الواجب الشرعي والتنظيمي يقتضي تلقفها بحسن ظن وتفكيكها بعقلانية باردة، بدلاً من المسارعة إلى التشكيك في دوافعها أو وصفها بالمناورة.
إن تجاوز عثرات الماضي يتطلب الترفع عن السجالات الشخصية والبلاغية التي تستهلك الطاقات في معارك كلامية، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء جسور الثقة؛ فالصف اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب إيجابي يبحث عن المشتركات ويقيل العثرات، بدلاً من خطاب الشحن الذي يباعد بين القلوب.
قد يذهب بعض الكُتّاب والمفكرين، تحت وطأة التعثر الإداري، إلى التبشير بـ "تعدد الجماعات وتنافس الكيانات" كحل للاختناق التنظيمي. ورغم أن التنافس في الخير محمود، إلا أن تقنين الانقسام وتحويله إلى نظرية عمل هو مسار يحمل مخاطر كبيرة على بنية العمل الإسلامي ككل.
إن الأصل الذي يجب أن تتوجه إليه الجهود هو "وحدة الصف" وإعادة ترميم البيت الداخلي من خلال استيعاب التنوع وإدارة الاختلاف بحكمة، وليس الاستسلام لواقع التشرذم وشرعنته تحت أي لافتة؛ فمكمن القوة في وحدة الكيان وتكامله، لا في تشظيه إلى جزر منعزلة.
إن الغاية الحقيقية لأي حراك أو قيادة هي خدمة الفكرة وحماية القواعد، وتحديداً أولئك الذين يدفعون أثماناً باهظة في ملفات الدعم الإنساني وأسر المعتقلين والمرضى. إن بقاء القيادات والرموز في حالة تراشق علني مستمر يُشعر القواعد بالخذلان ويخلق فجوة نفسية عميقة بين الخارج والداخل.
إن المسؤلية الأخلاقية تفرض على كافة الأطراف جعل الملف الإنساني فوق كل خلاف تنظيمي أو إداري، وأن تُستثمر كل دعوة للتآلف كمحطة جادة لتخفيف المعاناة عن كاهل المكروبين، بعيداً عن حسابات المواقع والوجاهات والمناصب.
إن الخروج من التيه الراهن لن يكون بمزيد من المقالات التي تنكأ الجراح وتستدعي الخصومات، بل بتبني خطاب عاقل، رصين، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم. لقد حان الوقت لتتحول الأقلام إلى أدوات لبناء التوافقات، وأن يدرك الجميع أن قوة هذا الصرح هي من قوة أفراده مجتمعين، وأن التاريخ سيسجل بحروف من نور مواقف أولئك الذين مدوا أيديهم للقاء، وغلّبوا مصلحة الدعوة والأمة على كل موقف شخصي أو إشكال لائحى.

