أعلنت وزارة الصحة والسكان في القاهرة بحث مقترح إنشاء أكاديمية مصرية يابانية متخصصة في خدمات الإسعاف وطب الطوارئ، خلال استقبال خالد عبدالغفار وفد جامعة كوكوشيكان اليابانية، بعد تدريب 10 دفعات من المسعفين المصريين، بما يجعل المشروع خطوة جديدة في ملف التعاون الصحي المصري الياباني.
وتأتي الخطوة بينما تواجه المنظومة الصحية المصرية أزمة ممتدة في التمويل والإدارة ونقص الكوادر، وهي أزمة لا يعالجها إعلان أكاديمية جديدة وحده، لأن التدريب المتقدم يفقد أثره عندما يعمل المسعف داخل شبكة مستشفيات مزدحمة، وأقسام طوارئ منهكة، وبيئة عمل لا تمنح الفريق الطبي حماية عادلة.
تعاون ياباني يتحول إلى واجهة رسمية لأزمة إسعاف داخلية
ناقش خالد عبدالغفار مع وفد جامعة كوكوشيكان اليابانية مقترح إنشاء الأكاديمية، وقدم التعاون السابق باعتباره نجاحا قابلا للتوسع، بعدما شمل تدريب 10 دفعات من مسعفي هيئة الإسعاف المصرية، غير أن الحكومة لم تعرض للرأي العام تقييما مستقلا يوضح أثر التدريب على زمن الاستجابة أو جودة التعامل مع الحالات الحرجة.
كما قال حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة إن الوزير وجه بالبدء في التخطيط لتوأمة بين الأكاديمية المقترحة وجامعة كوكوشيكان، بهدف ضمان استدامة جودة التعليم وتخريج كوادر إسعافية بمواصفات عالمية، لكن البيان الحكومي لم يحدد تكلفة المشروع أو جهة التمويل أو آلية الرقابة على مخرجاته.
في هذا السياق، تمنح خبرة جامعة كوكوشيكان اليابانية ثقلا علميا للمقترح، لأن الجامعة تقدم برامج دراسات عليا في نظم طب الطوارئ وما قبل المستشفى، وتدرب مسعفين وأطباء وممرضين على البحث والتطبيق العملي، غير أن نقل النموذج إلى مصر يحتاج بنية استقبال لا تعتمد على الدعاية الرسمية فقط.
لذلك، تبدو الأكاديمية المقترحة اختبارا سياسيا قبل أن تكون مشروعا تعليميا، لأن حكومة السيسي توسع خطاب الشراكات الأجنبية بينما تتجنب نشر بيانات تفصيلية عن الإنفاق الصحي واحتياجات المحافظات، وتترك المواطن أمام سؤال عملي عن سيارة الإسعاف المتأخرة وسرير الطوارئ غير المتاح.
ويعزز هذا السؤال رأي الباحث الحقوقي أيمن سبع، أحد الباحثين في ملف الحق في الصحة، الذي ربط في نقاشات سابقة أزمة الصحة بسوء الإدارة لا بنقص الشعارات، وتخدم هذه الإشارة محور الإسعاف تحديدا، لأن تدريب المسعف لا ينفصل عن إدارة البلاغات وتوزيع السيارات وربط الطوارئ بالمستشفيات.
خبراء يابانيون في الميدان أم اعتراف بتآكل الجودة المحلية؟
وجه وزير الصحة بانتقال الشراكة إلى مرحلة أعمق تشمل استقدام خبراء يابانيين للتواجد الميداني في مصر، حتى يقيّموا الأداء الإسعافي ويحددوا الاحتياجات التدريبية بدقة، كما طلب تقديم التدريب على رأس العمل، وهو ما يعني أن الوزارة تقر ضمنيا بوجود فجوة عملية لا تكفي معها الدورات الخارجية.
غير أن هذا التوجه يضع الحكومة أمام تناقض واضح، فهي تحتفي بتخريج دفعات تدربت في اليابان، ثم تطلب خبراء أجانب لتقييم الأداء الميداني داخل مصر، وهذا المسار يثير سؤالا عن قدرة الوزارة وهيئة الإسعاف على بناء نظام تعلم داخلي مستدام بعد سنوات من التعاون والمنح والتدريب.
وفي هذا الموضع، يخدم رأي الطبيبة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء سابقا، محور بيئة العمل، إذ حذرت مرارا من أن نقص الأطباء وتدهور شروط العمل يدفعان الكوادر إلى الهجرة أو الانسحاب، ويجعل أي تطوير تدريبي محدود الأثر إذا لم يصاحبه تحسين للأجور والحماية والمساءلة العادلة.
ثم كلف عبدالغفار كلا من أحمد الجوهري مستشار الوزير للمعاهد الفنية والتعليم الطبي المستمر، وعمرو رشيد رئيس هيئة الإسعاف المصرية، بصياغة بروتوكول تعاون شامل يضم وزارة الصحة وهيئة الإسعاف والمجلس الصحي المصري وجامعة كوكوشيكان، وهو تكليف يوسع الدائرة المؤسسية لكنه لا يضمن الشفافية.
وعلى الأرض، يحتاج البروتوكول المنتظر إلى نشر أهداف قابلة للقياس، تشمل زمن وصول سيارات الإسعاف، ونسبة الحالات التي تتلقى تدخلا صحيحا قبل المستشفى، وعدد المدربين المصريين المعتمدين، وتوزيع التدريب بين القاهرة والمحافظات، حتى لا تتحول الأكاديمية إلى عنوان رسمي جديد بلا أثر على المرضى.
تكريم المسعفين لا يحجب سؤال التمويل والعدالة الصحية
شهد اللقاء تبادل الهدايا التذكارية وتكريم عدد من المسعفين الذين أتموا التدريب في اليابان، كما أكدت الوزارة عمق العلاقات التاريخية بين مصر واليابان في المجال الصحي، لكن التكريم لا يعالج وحده فجوة العدالة الصحية التي يشعر بها المواطن عندما يدفع كلفة خدمة خاصة بسبب ضعف العام.
وفي المقابل، أعرب وفد جامعة كوكوشيكان برئاسة البروفيسور تاناكا والبروفيسور شيمازاكي عن تقديره لحفاوة الاستقبال والدعم المصري، وأكد الوفد استعداده لنقل المقترحات إلى إدارة الجامعة وبدء الخطوات التنفيذية، كما أشاد بما وصفه بالروح الإيجابية وسرعة خطوات الدولة المصرية في تطوير المنظومة الصحية.
غير أن إشادة الوفد الياباني لا تكفي لتقييم السياسة الصحية المصرية، لأن الضيف يقيم مجال التعاون المباشر لا أثره الاجتماعي، بينما يقيس المواطن النتيجة من قدرة الإسعاف على الوصول العادل، ومن جاهزية أقسام الطوارئ، ومن احترام كرامة الفريق الطبي والمريض داخل المستشفى العام.
هنا يقدم الدكتور محمد حسن خليل، مؤسس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، وظيفة تحريرية مهمة في محور التمويل، لأنه ربط أزمة الخدمة العامة بانخفاض الإنفاق وعجز الأطباء والتمريض، وهي نقاط تكشف أن الأكاديمية لن تنجح إلا إذا جاءت ضمن سياسة إنفاق واضحة لا ضمن بروتوكول علاقات عامة.
وحضر اللقاء عمرو رشيد رئيس هيئة الإسعاف المصرية، وأحمد الجوهري مستشار الوزير للمعاهد الفنية والتعليم الطبي المستمر، وهنادي محمد رئيس قطاع تنمية المهن الطبية، وشريف مدحت، ومحمد الشربيني، وأماني منير، وعدد من قيادات الوزارة والهيئة، بما يعكس رغبة رسمية في تحويل المقترح إلى مسار مؤسسي.
في النهاية، تكشف الأكاديمية المصرية اليابانية المقترحة فجوة أكبر من ملف التدريب، فالحكومة تستطيع جلب خبراء وتوقيع بروتوكولات وتكريم مسعفين، لكنها لا تستطيع إقناع المصريين بجدية الإصلاح من دون أرقام منشورة، وتمويل كاف، ومحاسبة للإدارة، وضمان أن يصل تطوير الإسعاف إلى المواطن قبل المنصة الرسمية.

