توقعت وزارتا الكهرباء والبترول ارتفاع الطلب على الكهرباء في مصر بنسبة 8% خلال الصيف، بعد ذروة بلغت 40 ألف ميجاوات العام الماضي، لتبدأ الحكومة خطة وقود وطاقة متجددة وسط مخاوف عودة الانقطاعات.
وتكشف الخطة الجديدة أن المواطن يدفع ثمن أزمة لم يصنعها، فالحكومة تتحدث عن تأمين الشبكة بعد سنوات من الارتباك، ثم تفتح باب الزيادات على الأنشطة التجارية بدل مساءلة سياسات الطاقة.
طلب قياسي وشبكة تحت الضغط
في البداية، أعلن وزير الكهرباء محمود عصمت ووزير البترول كريم بدوي توقع ارتفاع الأحمال خلال الصيف الحالي بنسبة 8%، مقارنة بذروة العام الماضي غير المسبوقة التي وصلت إلى 40 ألف ميجاوات.
وبحسب البيان المشترك، تسعى وزارة الكهرباء إلى إضافة 2200 ميجاوات من الطاقة المتجددة، و1300 ميجاوات ساعة من بطاريات التخزين، وربطها بالشبكة خلال العام الجاري لتقليل ضغط الوقود.
كما أكد قطاع الكهرباء خفض استهلاك الوقود لكل كيلووات إلى أقل من 170 جرامًا، في محاولة لإظهار كفاءة تشغيلية جديدة، بعد أزمة صيفية سابقة كشفت هشاشة منظومة الإمداد.
ومن ثم، لا تبدو الأرقام الفنية منفصلة عن ذاكرة المصريين مع تخفيف الأحمال، لأن انقطاعات عام 2023 بقيت حاضرة في البيوت والمحال والمصانع، رغم كل بيانات الطمأنة الرسمية.
غير أن الحكومة تعرض استعدادات الصيف بوصفها إنجازًا إداريًا، بينما يتساءل المواطن لماذا وصلت دولة تمتلك بنية كهربائية ضخمة إلى مرحلة القلق السنوي من الحر والوقود والطلب.
لذلك، فإن خطة الطوارئ لا ينبغي أن تخفي أصل الأزمة، وهي سوء التخطيط بين إنتاج الغاز، واستهلاك الكهرباء، وتكلفة الاستيراد، وتوقيت التوسع العمراني والصناعي دون حسابات كافية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور حافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، أن استقرار الشبكة يحتاج مزيجًا متوازنًا من الوقود والطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك، لا حلولًا موسمية.
بناءً على ذلك، تصبح إضافة الطاقة المتجددة والبطاريات خطوة ضرورية لكنها متأخرة، لأن الاعتماد الطويل على الوقود التقليدي جعل الشبكة أسيرة لأي نقص في الغاز أو ارتفاع في الطلب.
زيادة 20% على الأنشطة التجارية
في المقابل، كشف المتحدث باسم وزارة الكهرباء منصور عبد الغني عن فرض زيادة بنسبة 20% على تسعيرة استهلاك الكهرباء للأنشطة التجارية كثيفة الاستهلاك خلال ساعات العمل المتأخرة.
وعلى الرغم من تقديم القرار كبديل عن الإغلاق المبكر، فإنه ينقل جانبًا من كلفة الأزمة إلى المقاهي والملاهي والمولات التجارية، ثم إلى المستهلك النهائي عبر الأسعار والخدمات.
كما أن القرار يخص الساعات الإضافية خارج أوقات العمل، بعد مناشدات وجهت للحكومة في مارس الماضي لإلغاء الإغلاق المبكر، ما يعني أن الحكومة استبدلت القيد الإداري بعبء مالي.
وبالتالي، يصبح صاحب النشاط أمام خيارين قاسيين، إما تقليل ساعات العمل وخسارة جزء من الإيراد، أو دفع تسعيرة أعلى وتمرير الكلفة إلى الزبائن والعاملين في النهاية.
علاوة على ذلك، لا تعالج الزيادة جوهر أزمة الطاقة، بل تضبط الاستهلاك من جيوب الناس، في وقت تعاني فيه الأنشطة الصغيرة والمتوسطة من ركود وغلاء وإيجارات وأعباء تشغيل.
لكن الدكتور ماهر عزيز، استشاري الطاقة والبيئة، يؤكد أن إدارة الطلب على الكهرباء يجب أن تقوم على ترشيد عادل وتحفيز الكفاءة، لا على قرارات مفاجئة تزيد اضطراب السوق.
ومن ناحية أخرى، تزداد حساسية القرار لأن الأنشطة التجارية الليلية تشغل عمالة واسعة، وأي خفض في التشغيل قد ينعكس على الأجور اليومية وفرص العمل، لا على أرباح المستثمرين فقط.
وبذلك، تتحول أزمة الكهرباء إلى ملف معيشة مباشر، فالفاتورة لا تقف عند عداد المقهى أو المول، بل تمتد إلى أسعار السلع، ودخل العامل، وقدرة الأسرة على الإنفاق.
غاز مستورد وعدادات معلقة
إلى جانب التسعيرة، تعمل وزارة البترول على تأمين احتياجات الصيف عبر منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال وسفن التغييز، مع استخدام مصنع دمياط لتخزين شحنات استراتيجية وإعادة ضخها عند الحاجة.
كذلك تعتمد الخطة على الإنتاج المحلي من حقول الغاز بالتوازي مع الاستيراد، لضمان استقرار الشبكة الكهربائية وتوفير إمدادات الوقود اللازمة، في محاولة لتجنب تكرار سيناريو تخفيف الأحمال.
ومن هنا، يبرز السؤال عن كلفة الغاز المستورد على الموازنة والدولار، لأن تأمين الكهرباء عبر شحنات خارجية قد يحل أزمة الصيف، لكنه يضيف ضغوطًا مالية جديدة لاحقًا.
لزيادة تعقيد الملف، تحدثت وزارة الكهرباء عن تحويل نحو 1.2 مليون عداد كودي إلى عدادات قانونية، بينها 150 ألف عداد في مبان غير مخالفة و950 ألفًا أنهت التصالح.
وفي الوقت نفسه، توجد 1.4 مليون عداد كودي لوحدات مغلقة، ما يكشف حجم التشوه الإداري في ملف العدادات، بين مخالفات بناء وتصالح ووحدات غير مشغولة واستهلاك غير مستقر.
وفي هذا الإطار، يرى الدكتور رمضان أبو العلا، خبير البترول والطاقة، أن أمن الطاقة لا يتحقق بالاستيراد فقط، بل بتخطيط طويل المدى للإنتاج المحلي وترشيد الاستهلاك وتنوع مصادر التوليد.
وعليه، فإن تحويل العدادات وتقنين الاستهلاك خطوة مطلوبة، لكنها لا تعوض غياب رؤية واضحة لسعر الطاقة وعدالة توزيع التكلفة بين الدولة والقطاع التجاري والمواطن محدود الدخل.
وفي سياق متصل، تحتاج الحكومة إلى إعلان تكلفة خطة الصيف بشفافية، وحجم الوقود المستورد، ونصيب الطاقة المتجددة الفعلي، حتى لا تبقى البيانات محصورة في الطمأنة دون محاسبة.
ومن ثم، فإن تجنب الانقطاعات هذا الصيف لن يكون نجاحًا كاملًا إذا تحقق عبر زيادات ورسوم واستيراد مكلف، لأن الاستقرار الحقيقي يعني كهرباء مستمرة بسعر عادل وتخطيط معلن.
لهذا، لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تعلمت من أزمة 2023، بل يجب أن تثبت ذلك بمنع الفواتير المفاجئة، وضمان عدالة التسعير، وتقليل الاعتماد على حلول الطوارئ.
وفي النهاية، تكشف خطة الكهرباء صيفًا قلقًا بين طلب قياسي وغاز مستورد وزيادة على المحال، بينما يبقى المواطن أمام معادلة قاسية: لا يريد الظلام، ولا يحتمل فاتورة جديدة.

