يحذر أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين من خطورة انفلات اللسان في أعراض الناس، مؤكداً أن المسلم يتأدب دائماً بأدب الإسلام، فيحفظ لسانه من كل ما حرمه الله عليه، فلا يغتاب الناس، ولا ينشر العداوة والبغضاء بالنميمة، ولا يخوض في الأعراض، ولا يدخل نفسه فيما لا يعنيه، ولا يتكلم بغير علم.
ويؤكد الدكتور شاهين أن صيانة اللسان ليست مجرد خُلُق اجتماعي، بل طريق لحفظ الدين والحسنات، ووسيلة للعيش بهدوء في الدنيا والفوز يوم القيامة، لأن الغيبة آفة خطيرة تدمر الإنسان، وتأكل الحسنات، وتزيد السيئات، وتفتح أبواب الخصومة والندم.
الغيبة كبيرة تهدم الدين والحسنات
يوضح فضيلة الأستاذ أن الغيبة معناها أن يتكلم الإنسان عن غيره في غيبته بما يسوءه، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".
ويربط شاهين بين الغيبة والبهتان وإيذاء المؤمنين، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)﴾.
ويشدد الدكتور على أن الغيبة حرام بنص القرآن والسنة وإجماع العلماء، وأن أهل العلم عدوها من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
وينقل أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين عن ابن عباس قوله: "حرَّم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة"، في دلالة واضحة على شدة التحذير من الخوض في أعراض الناس.
كما يورد الدكتور قول الحسن البصري رحمه الله: "الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله: الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة: فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك: فأن تقول ما بلغك عنه، وأما البهتان: فأن تقول فيه ما ليس فيه".
ويؤكد شاهين أن خطورة الغيبة لا تقف عند مجرد الكلام، بل تصل إلى خسارة الحسنات يوم القيامة، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع".
ويكمل الحديث: "فقال: إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
ويحذر فضيلة الأستاذ من أن الغيبة والنميمة قد تكونان سبباً لعذاب القبر، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين مر على قبرين، فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا: فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا: فكان يمشي بالنميمة".
ويتابع الحديث: "ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، فغرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا، ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
ويشير الدكتور إلى صورة أخرى من عقوبة أهل الغيبة يوم القيامة، مستشهداً بما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج، إذ قال: "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم! فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم".
ويضيف شاهين أن المغتاب يظن أن له عيناً ولساناً والناس ليسوا كذلك، فيرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه، مستشهداً بقول أبي هريرة: "يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عينه".
المستمع شريك إذا لم ينكر.. والأعراض حرمة مصونة
يلفت أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين إلى أن من استمع إلى غيبة إنسان ولم ينكر على القائل، كان عليه من الوزر مثل المغتاب، أما إذا أنكر، أو قام من المجلس، أو دافع عن الشخص الغائب، فقد سلم من الذنب.
ويستشهد الدكتور بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة"، مؤكداً أن الدفاع عن الغائب عبادة تحفظ المجتمع من انتشار الظلم والعداوة.
ومن خطورة الغيبة على العلاقات الاجتماعية، كما يوضح فضيلة الأستاذ، أن المغتاب ينتهك حرمة أخيه المسلم، وهذا أمر حرمه الإسلام، وفي الحديث: "كل المسلم على المسلم حرام، ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
ويؤكد شاهين أن المغتاب لم يدخل الإيمان قلبه دخولاً كاملاً، ولم يتذوق حلاوته، وإسلامه ناقص، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم".
ويكمل الحديث: "فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"، وهو تحذير شديد من تتبع العيوب، ونقل العورات، وبناء المجالس على التشهير والفضيحة.
ويحذر الدكتور من أن الإنسان قد يقول كلمة يظنها عادية، أو يصنع إشارة بيده عن إنسان غائب، فيفهم الناس ما يريد، فيقع في الغيبة ولو لم يصرح تصريحاً مباشراً.
ويستشهد أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين بما حدث مع السيدة عائشة رضي الله عنها حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "حسبك من صفية كذا"، قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته".
وتكمل السيدة عائشة رضي الله عنها: "وحكيت له إنسانًا فقال: ما أحب أن حكيت لي إنسانًا وأن لي كذا وكذا"، وهو دليل على خطورة الإشارة والمحاكاة إذا حملت انتقاصاً من الغائب.
كما يستشهد الدكتور بحديث آخر: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تخلل. فقال: وما أتخلل يا رسول الله أكلت لحمًا؟ فقال: إنك أكلت لحم أخيك"(.
ويؤكد شاهين أن الله حذر المؤمنين من سماع الأخبار ونقلها دون تثبت، لأنها قد تضر أناساً أبرياء، فيندم الإنسان حين لا ينفع الندم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾.
ويورد فضيلة الأستاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل المسلمين، فكانت إجابته الجامعة: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وفيها ربط واضح بين كمال الإسلام وسلامة الناس من أذى اللسان واليد.
ويختم هذا المعنى بوصية النبي صلى الله عليه وسلم العامة من أجل سلامة الصدور بينه وبين أصحابه، وبين المسلمين عموماً، إذ قال: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر".
أسباب الغيبة.. ضعف إيمان وحسد وفراغ وحب للدنيا
يرى الدكتور شاهين أن أول أسباب الغيبة هو ضعف الإيمان وقلة الخوف من الله تعالى، فمن ضعف إيمانه ضعف في السيطرة على لسانه، ومن قوي إيمانه قوي في التحكم في لسانه.
ويربط فضيلة الأستاذ بين ضبط اللسان وضبط النفس عند الغضب، مستحضراً معنى الحديث الذي اعتبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم القوي الحقيقي هو "الذي يملك نفسه عند الغضب".
ويضع أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين مرافقة أهل السوء والمعاصي في أسباب الغيبة، لأن الأخلاق تعدي، والطبع يسرق من الآخر، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
ويحذر الدكتور من الحسد، باعتباره مرضاً نفسياً كامناً في نفس الإنسان، يجعله يستكثر نعم الله على عباده، ويتمنى زوالها، بل قد يعمل على زوالها، فيندفع إلى الغيبة والخوض في سير الناس وحياتهم الخاصة.
ويؤكد شاهين أن الحسد أساس كثير من المصائب والجرائم، مذكراً بما كان بين إبليس وآدم، وما كان بين قابيل وهابيل، ليبين أن المرض يبدأ في القلب ثم يظهر على اللسان والسلوك.
ومن أسباب الغيبة أيضاً حب الدنيا والحرص على التنافس فيها، خاصة المناصب والرئاسة، وينقل فضيلة الأستاذ قول الفضيل بن عياض: "ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير".
ويضيف الدكتور أن بعض الناس لا يرى إلا ذاته، فيريد أن يرفع نفسه بذكر عيوب الآخرين، فيبني صورته على هدم صورهم، ويجعل من انتقاص الناس طريقاً زائفاً لإثبات المكانة.
كما يلفت أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين إلى أن الفراغ من أسباب الغيبة، فبعض المتفرغين يريدون ملء أوقاتهم بالحديث عن الآخرين، وتتبع حياتهم الخاصة، بقصد التسلية وقتل الوقت.
ويؤكد الدكتور أن الحقيقة أن النفس إذا لم يشغلها الإنسان بالحق شغلته بالباطل، مستشهداً بقول أبي العتاهية: "إن الشباب والفراغ والدعة ... مفسدة للمرء أي مفسدة؟".
حالات لا تعد من الغيبة
يوضح فضيلة الأستاذ أن هناك حالات لا تعد من الغيبة، أولها رفع المظالم إلى المختصين أو القضاء، فإذا ذكر الإنسان من ظلمه وتفاصيل المظلمة من أجل الوصول إلى حقه الضائع، فليس هذا من الغيبة في شيء.
ويستشهد شاهين في هذا الموضع بقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾، وهي رخصة للمظلوم في بيان ظلمه عند طلب الحق والإنصاف.
ومن الحالات التي لا تعد من الغيبة، كما يذكر الدكتور، المجاهرة بالمعاصي أو الابتداع في الدين، وينقل قول الحسن: "ليس لصاحب البدعة ولا الفاسق المعلن بفسقه غيبة".
ويضيف أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين أن الاستفتاء في قضية خاصة لا يدخل في باب الغيبة، مثل ما فعلت هند زوج أبي سفيان في سؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم حين قالت: "إن سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني".
ويكمل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، فذكرها لحال زوجها كان لطلب الحكم الشرعي لا للتشهير أو الانتقاص.
ومن الحالات كذلك السؤال عن الخاطب من أجل الزواج، كما حدث مع فاطمة بنت قيس حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض من تقدموا لخطبتها، فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها.
وينقل الدكتور قول النبي صلى الله عليه وسلم لها: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا فاغتبطت به".
ويذكر شاهين كذلك الدراسة في علم الجرح والتعديل، وهو دراسة أحوال الرواة لمعرفة الصادق من غيره، لأن الأمر متعلق بحفظ السنة النبوية المطهرة، ولا يقصد به التشفي أو الوقيعة.
ويضيف فضيلة الأستاذ أن كتابة التراجم والتاريخ والسير قد تتطلب الشهادة بالحق وذكر الحقائق بعيداً عن المجاملات، لأنها شهادة للتاريخ، على أن يكون ذلك بإنصاف ودون ظلم أو تشهير.
علاج الغيبة يبدأ بالتقوى وينتهي بتوبة صادقة
يرى الدكتور شاهين أن علاج الغيبة يبدأ باستشعار تقوى الله في كل وقت وحين، فهي تعين على التوقف عن الغيبة، كما أنها سبب لتكفير السيئات، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)﴾.
وينصح أ. د. أحمد عبد الهادي شاهين بأن ينشغل الإنسان بإصلاح عيوبه عن الآخرين، مستحضراً قول الشاعر: "عليك نفسك فتش عن معايبها وخل عن عثرات الناس للناس".
كما يدعو الدكتور إلى القراءة في سير الصحابة والسلف الصالح، ومجالسة الصالحين، حتى يدرك المسلم عظمة الأخلاق التي كان عليها سلف الأمة، ويستحي أن يلوث لسانه بذكر عيوب الناس.
ويستشهد فضيلة الأستاذ بقول الشاعر: "وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح"، في إشارة إلى أن الاقتداء بالصالحين يربي النفس على العفة والستر وحفظ اللسان.
ويشدد شاهين على محاسبة النفس ومعاتبتها عند الخطأ، لأن ذلك من وسائل الإصلاح والتقويم، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾.
ويضيف الدكتور شاهين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12))، ليؤكد أن كل كلمة محسوبة، وكل لفظ مكتوب، وكل مجلس مسؤول عنه صاحبه.
ويختم فضيلة الأستاذ بالتنبيه إلى أهمية التوبة إلى الله تعالى من الغيبة، وأن يعزم الإنسان على ألا يعود إليها، وأن يطلب العفو ممن وقع في غيبتهم، وأن يطلب المغفرة من الله له ولهم وللمسلمين أجمعين.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ ألسنتنا من الغيبة، وأن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

