حذر خبراء مناخ ومسؤولون في مصر من موجة شديدة الحرارة تبدأ اليوم السبت وتستمر 10 أيام على الأقل، وسط توقعات بتزامن 3 ظواهر مناخية تزيد الإحساس بالحرارة وتفرض إجراءات عاجلة على المواطنين والمزارعين.

 

وتكشف هذه التحذيرات أن أزمة الحر لم تعد مجرد طقس صيفي معتاد، بل صارت اختبارا يوميا لقدرة الدولة والمجتمع على حماية الفئات الأضعف، من العمال والمسنين والمرضى، إلى الفلاحين الذين تقف محاصيلهم أمام خطر مباشر.

 

 

3 ظواهر تضاعف الإحساس بالحرارة

 

قال الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، إن نماذج الإنذار المناخي المبكر تشير إلى دخول البلاد موجة شديدة الحرارة، تمتد على مختلف الأنحاء، وتجمع بين حرارة النهار وحرارة الليل والرطوبة والإشعاع الشمسي.

 

وتتمثل الظاهرة الأولى في توالي الموجات القاسية واستمرار الحرارة دون فواصل واضحة، مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة ليلا، وهو ما يحرم الإنسان والنبات من فرصة التعافي الطبيعي بعد ساعات النهار المرهقة.

 

أما الظاهرة الثانية فتتعلق بزيادة معدلات الإشعاع الشمسي المصاحبة للموجة، ما يجعل التعرض المباشر للشمس أكثر خطورة خلال ساعات الظهيرة، خصوصا للعمال في الشوارع والمزارعين وسائقي المركبات والمواطنين الأكثر اضطرارا للحركة نهارا.

 

وتأتي الظاهرة الثالثة عبر زيادة الرطوبة النسبية في ساعات الصباح، وهي رطوبة ترفع الإحساس الفعلي بالحرارة وتزيد تشكل الندى والرطوبة الحرة على أسطح النباتات، ما يخلق بيئة مناسبة لبعض الإصابات الفطرية.

 

وتؤكد الدكتورة منار غانم، عضو المركز الإعلامي بهيئة الأرصاد الجوية، أن هذه الظواهر طبيعية خلال شهري يوليو وأغسطس، لكنها تصبح أكثر إزعاجا بسبب الرطوبة الناتجة عن مرور الكتل الهوائية الساخنة فوق البحر المتوسط.

 

وتوضح غانم أن الرطوبة تسبب ما يمكن وصفه بالخداع الحراري، حيث يشعر المواطن بارتفاع يزيد نحو 4 درجات عن القيم المعلنة، فتبدو درجة الحرارة على الجسم أعلى من الرقم الرسمي المسجل في الظل.

 

ووفق توقعات الطقس للقاهرة خلال الأسبوع الحالي، تتحرك العظمى بين 36 و38 درجة مئوية تقريبا، مع استمرار الأجواء الحارة والمشمسة، وهو ما يجعل الرطوبة والإشعاع الشمسي عاملين حاسمين في الإحساس الفعلي بالحرارة.

 

 

الزراعة أمام اختبار الليل الحار

 

يحذر فهيم من أن أخطر ما في الموجة ليس حرارة النهار وحدها، بل استمرار الحرارة خلال الليل، لأن ارتفاع حرارة الليل يرهق النبات ويدفعه إلى استهلاك جزء أكبر من مخزونه الحيوي.

 

وتتسبب هذه الحالة في ظاهرة تعرف باسم تنفس الظلام، حيث يزداد هدم المادة الجافة داخل النبات، ويرتفع إفراز هرمون الإيثيلين، ما يؤدي إلى صغر حجم الثمار والحبوب أو النضج المبكر القسري.

 

وتزداد خطورة الموجة على المحاصيل الحساسة مثل الرمان والطماطم، إذ تصبح أكثر عرضة لما يعرف بلسعات الشمس، خاصة في الحقول المكشوفة أو التي تعاني ضعفا في انتظام الري أو التظليل الطبيعي.

 

كما تزيد احتياجات النباتات للمياه بنسبة تتراوح بين 20% و25%، وهي زيادة لا تبدو بسيطة في بلد يعاني أصلا ضغوطا مائية وزراعية، وتجعل أي خطأ في الري سببا مباشرا لخسارة المحصول.

 

ولهذا دعا فهيم المزارعين إلى تقريب فترات الري، خصوصا للمحاصيل حديثة الزراعة أو الشتل، مع تقسيم الري بالتنقيط إلى فترات صباحية ومسائية بكميات أقل، لتجنب إجهاد النبات أو غرق الجذور.

 

وشدد أيضا على حظر الري وقت الظهيرة، إلا في حالات محددة ترتبط بمنظومات الطاقة الشمسية التي تبلغ ذروة كفاءتها في هذا الوقت، لأن الري الخاطئ قد يضاعف إجهاد النبات بدلا من إنقاذه.

 

ولا تقف النصائح عند الري فقط، إذ دعا إلى تنفيذ رشات وقائية ضد البياض الزغبي في محاصيل مثل العنب والريحان والقرعيات، لأن الرطوبة الصباحية قد تساعد على انتشار بعض الأمراض النباتية.

 

 

إجراءات عاجلة للمواطنين لا رفاهية

 

على المستوى اليومي، تبدو النصيحة الأهم للمواطنين هي تجنب التعرض المباشر للشمس خلال فترة الظهيرة، حيث تجتمع أعلى درجات الإشعاع مع الرطوبة، فيرتفع خطر الإجهاد الحراري والدوار والجفاف.

 

وتنصح هيئة الأرصاد المواطنين بارتداء ملابس قطنية فاتحة، وشرب المياه باستمرار، وتجنب الانتظار الطويل في الأماكن المكشوفة، مع الانتباه لكبار السن والأطفال والمرضى باعتبارهم الفئات الأكثر عرضة لمضاعفات الحرارة.

 

وتزداد أهمية هذه التحذيرات مع تشكل شبورة صباحية باكرة تؤثر مؤقتا على الرؤية الأفقية، خاصة على الطرق القريبة من المسطحات المائية والزراعية، قبل أن تتلاشى تدريجيا مع سطوع الشمس.

 

ورغم وجود نشاط نسبي ومتقطع للرياح بين يوم وآخر، فإن هذا النشاط لا يلغي تأثير الرطوبة، وقد يمنح إحساسا مؤقتا بالتحسن، بينما تظل ساعات الظهيرة الأكثر خطورة على الصحة العامة.

 

وفي الشوارع ومواقع العمل، تفرض الموجة سؤالا اجتماعيا واضحا حول حماية العمال المكشوفين للشمس، لأن التحذير من الحرارة لا يكفي إذا لم تصاحبه مرونة في مواعيد العمل وتوفير مياه وظل واستراحات.

 

كما تضع الموجة قطاع الكهرباء والمرافق تحت ضغط إضافي، لأن ارتفاع درجات الحرارة يدفع الأسر إلى زيادة استخدام أجهزة التبريد، ما يتطلب استعدادا حقيقيا لمنع الأعطال والانقطاعات خلال ذروة الاستهلاك.

 

وفي النهاية، تكشف موجة الأيام العشرة أن الظواهر الصيفية الطبيعية قد تتحول إلى أزمة قاسية حين تتجمع الحرارة والرطوبة والإشعاع، وأن الوقاية لم تعد نصيحة موسمية، بل ضرورة لحماية الأرواح والمحاصيل.