أعلنت وزارة التربية والتعليم نتيجة امتحانات أبنائنا في الخارج للعام الدراسي 2025/2026 عبر منصتها الإلكترونية، فوجد مئات الطلاب في دول الاغتراب أنفسهم راسبين ومحولين للدور الثاني بسبب أعطال فنية متكررة.
وبالتالي، لم تعد الواقعة خطأً تقنيًا عابرًا، بل مشهدًا سياسيًا وإنسانيًا فادحًا، يدفع فيه أطفال الغربة ثمن منصة فاشلة، بينما تتحول الوزارة من جهة حماية إلى خصم إداري قاسٍ.
كما أن غضب أولياء الأمور لم ينفجر بسبب نتيجة ضعيفة، بل بسبب شعور واضح بأن أبناءهم عوقبوا على خلل خارج إرادتهم، بعد عام دراسي كامل تحملوا فيه الغربة والقلق والتكاليف.
منصة تسقط والطلاب يدفعون الثمن
لذلك، تركزت شكاوى الأهالي حول الخروج المفاجئ من المنصة، وتعذر حفظ الإجابات، وفشل تسجيل الدخول، وهي أعطال لا يصح أن تتحول إلى رسوب، أو غياب، أو إجبار على امتحان جديد.
ومن ثم، يصبح تحميل الطالب مسؤولية عطل تقني ظلمًا مضاعفًا، لأن الامتحان الإلكتروني لا يكتسب شرعيته من مجرد وجود منصة، بل من ضمان العدالة والقدرة على إثبات المحاولات وحماية الإجابات.
غير أن الوزارة اكتفت أولًا بإتاحة النتيجة عبر البوابة الرسمية، ثم فتحت باب التسجيل للدور الثاني، وكأن الأزمة طبيعية، بينما كان المطلوب وقف النتائج المتضررة قبل دفع الأسر إلى إجراء جديد.
علاوة على ذلك، فإن طلاب أبنائنا في الخارج لا يؤدون الامتحان في ظروف مصرية عادية، بل في دول مختلفة، وفروق زمنية متباينة، وشبكات متفاوتة، وضغط نفسي لا تتحمله عائلات كثيرة.
بناءً على ذلك، فإن إجبار الأطفال على الدور الثاني بسبب خلل المنصة لا يعالج الأزمة، بل يشرعن الخطأ، ويحول الفشل التقني إلى عقوبة تعليمية تطارد الطالب وولي الأمر معًا.
في المقابل، تؤكد استغاثات الأهالي أن بعض الطلاب أعادوا كتابة الإجابات أكثر من مرة، أو حاولوا الدخول دون نجاح، ثم فوجئوا بتسجيل مواد عليهم كرسوب أو غياب بلا تحقيق مسبق.
إلى جانب ذلك، يظهر الخلل في لحظة إعلان النتيجة نفسها، مع شكاوى من تعطل رابط الاستعلام، وهو ما يعمق فقدان الثقة في منصة لم تصمد وقت الامتحان ولا وقت النتيجة.
فحص متأخر بعد انفجار الغضب
ومع ذلك، بدأت وزارة التربية والتعليم لاحقًا فحص الشكاوى بالتعاون مع الإدارة العامة للامتحانات، لمراجعة البلاغات التقنية المسجلة وقت الأعطال، وتحديد ما إذا كان الخلل من المنصة أو الخوادم.
لكن هذا التحرك جاء بعد إعلان النتائج وتصعيد الغضب، وهو ترتيب مقلوب، لأن العدالة تفرض فحص الأعطال قبل إعلان الرسوب، لا بعد انهيار ثقة الأسر في منظومة الامتحانات.
فضلًا عن ذلك، فإن القول بمراجعة الشكاوى لا يكفي إذا لم يصاحبه قرار واضح بوقف آثار الرسوب، وإعادة تقييم الحالات المتضررة وفق سجل الدخول والمحاولات ووقت الانقطاع وحفظ الإجابات.
ومن ناحية أخرى، يحذر الخبير التربوي كمال مغيث دائمًا من أزمة الثقة في التعليم المصري، وتستدعي هذه الواقعة تحذيره بقوة، لأن الطالب الذي يشعر بالظلم يفقد إيمانه بالمنظومة كاملة.
كذلك، يؤكد أستاذ المناهج حسن شحاتة في طرحه التربوي أهمية التقويم العادل، وهو ما يجعل امتحانًا ينهار تقنيًا عاجزًا عن قياس المستوى، لأن الخلل في الأداة يفسد النتيجة.
ثم إن التجارب السابقة مع الامتحانات الإلكترونية أثبتت أن سقوط المنصات ليس مفاجأة نادرة، فقد شهدت مصر جدلًا واسعًا حول أعطال مشابهة، وجرى وقتها اعتبار العجز عن الدخول مشكلة لا يتحملها الطالب.
وعليه، فإن الوزارة مطالبة بتطبيق القاعدة نفسها هنا، فلا يجوز أن يصبح طالب الخارج أضعف حماية من طالب الداخل، ولا أن يدفع ثمن تجربة تقنية غير مستقرة باسم التطوير.
الدور الثاني كعقوبة نفسية ومالية
في هذا السياق، لا يمثل الدور الثاني مجرد امتحان إضافي، بل عبئًا نفسيًا وماديًا على أسر تعيش خارج البلاد، وتربط مستقبل أبنائها الدراسي بمنصة يفترض أنها صممت لتخفيف المعاناة.
كما يلفت استشاري الطب النفسي جمال فرويز في أحاديثه عن الامتحانات إلى خطورة الضغط والمقارنة والتوتر على الطلاب، وهو ما يجعل فرض إعادة الامتحان بسبب عطل تقني ضررًا نفسيًا مباشرًا.
إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الذين شعروا بأن إجاباتهم اختفت، أو أن محاولاتهم لم تحتسب، يواجهون إحساسًا بالقهر لا يعالج بإعلان موعد جديد، بل باعتراف رسمي بالخلل وإنصاف سريع.
ومن هنا، تبدو مطالب أولياء الأمور منطقية، إذ طالبوا بفتح تحقيق عاجل، ومراجعة المحاولات المثبتة إلكترونيًا، وإعادة تقييم الدرجات، أو منح درجات تعويضية عند ثبوت العطل الخارج عن إرادة الطلاب.
غير أن خطورة الملف تكمن في أن الوزارة تملك بيانات الدخول والمحاولات والانقطاعات، ولذلك لا يجوز تحميل الأسر عبء الإثبات وحدها، بينما توجد آثار رقمية قادرة على كشف الحقيقة.
وبالمقابل، فإن أي تجاهل لهذه البيانات يحول المنصة إلى أداة إدانة للطالب لا أداة قياس، ويجعل التكنولوجيا غطاءً إداريًا لإسقاط حقوق تعليمية كان يجب أن تكون مصونة.
لذلك، يجب الإعلان عن آلية واضحة للتظلم، تتضمن مهلة محددة، ولجنة فنية مستقلة، ونشر معايير المراجعة، وإبلاغ كل ولي أمر بسبب النتيجة، بدلًا من ترك الأسر في فوضى الرسائل والمجموعات.
وفي المحصلة، لا تحتاج أزمة أبنائنا في الخارج إلى بيان تهدئة، بل إلى قرار شجاع يوقف الظلم، ويراجع النتائج، ويحاسب المسؤولين عن المنصة، ويعيد الاعتبار لأطفال لم يرسبوا بل أُسقطوا تقنيًا.

