رأى الكاتب الأمريكي توم نيكولز أن السياسة التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران تحولت، خلال أشهر قليلة، من خطاب تصعيدي يتوعد بإسقاط النظام الإيراني وإنهاء نفوذه في المنطقة، إلى نهج يقوم على تقديم تنازلات سياسية واقتصادية لطهران، معتبراً أن الرئيس الأمريكي يتعامل مع الحرب باعتبارها "صفقة" يمكن إعادة صياغة أهدافها باستمرار، حتى وإن انتهت بمنح إيران مكاسب لم تكن تحلم بتحقيقها قبل اندلاع الصراع.
وفي مقال نشرته مجلة "ذي أتلانتك"، وصف نيكولز أداء إدارة ترامب بأنه يبدو أقرب إلى سيناريو درامي مليء بالتقلبات غير المنطقية، حيث تتغير الأهداف والتبريرات بصورة متواصلة، ما يجعل الحرب على إيران مثالاً واضحاً على غياب استراتيجية أمريكية متماسكة.
وعود بإسقاط النظام... ثم مفاوضات معه
وأوضح الكاتب أن ترامب بدأ المواجهة العسكرية بتصريحات حاسمة أكد خلالها أن الهدف يتمثل في إنهاء النظام الإيراني ومنعه نهائياً من امتلاك سلاح نووي، بل وجه رسائل مباشرة إلى الشعب الإيراني دعاهم فيها إلى اغتنام الفرصة لإسقاط حكامهم والانطلاق نحو مستقبل جديد بعد أكثر من أربعة عقود من حكم الجمهورية الإسلامية.
لكن، بحسب المقال، لم يتحقق أي من تلك الوعود، إذ بقي النظام الإيراني قائماً، بينما سارعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة صياغة أهداف الحرب، فانتقلت من الحديث عن تغيير النظام إلى التركيز على البرنامج النووي، ثم الإرهاب، قبل أن ينفي ترامب لاحقاً أن يكون إسقاط النظام هدفاً للحرب من الأساس.
ويشير نيكولز إلى أن الرئيس الأمريكي لم يكتف بالتراجع عن تصريحاته السابقة، بل بدأ يصف المسؤولين الإيرانيين الذين كان يتعهد بإسقاطهم بأنهم "أشخاص عقلانيون" و"يمكن التعامل معهم"، وهو ما يعكس، برأيه، انقلاباً كاملاً في الخطاب السياسي للإدارة الأمريكية.
تغيير مستمر في أهداف الحرب
ويرى الكاتب أن التناقضات لم تتوقف عند حدود ملف النظام الإيراني، وإنما امتدت إلى قضية الصواريخ الباليستية، التي كانت الإدارة الأمريكية تصفها في بداية العمليات بأنها تهديد رئيسي ينبغي القضاء عليه بالكامل.
غير أن التطورات الميدانية، بحسب المقال، أظهرت احتفاظ إيران بجزء كبير من ترسانتها الصاروخية، إضافة إلى قدراتها في مجال الطائرات المسيرة، الأمر الذي دفع ترامب إلى التقليل من أهمية تلك الصواريخ، بل والقول إن امتلاك إيران لها أمر طبيعي لأن "الجميع يمتلك صواريخ"، معتبراً أن الخطر الحقيقي يكمن فقط في السلاح النووي.
ويرى نيكولز أن هذا التحول يعكس تخلي الإدارة الأمريكية عن أحد أبرز مبررات الحرب بمجرد تعذر تحقيقه على أرض الواقع.
انتقادات لإسرائيل ورسائل مغايرة
كما تناول المقال تحولاً آخر في خطاب ترامب تجاه إسرائيل، مشيراً إلى أنه انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووصفه بأنه "شخص صعب المراس"، معتبراً أن عليه أن يكون ممتناً للدعم الأمريكي.
ويفسر الكاتب هذه التصريحات باعتبارها رسالة غير مباشرة إلى إسرائيل بضرورة تخفيف التصعيد مع إيران وحلفائها، وهو ما اعتبره انحرافاً إضافياً عن الخطاب الذي تبنته الإدارة الأمريكية في بداية الحرب.
مضيق هرمز... مكسب استراتيجي لطهران
ويرى نيكولز أن أحد أبرز نتائج الحرب تمثل في تعاظم النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، بعدما لجأت طهران إلى استخدام الورقة البحرية ضمن استراتيجيتها غير المتكافئة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة والطاقة العالمية.
ويشير إلى أن ترامب أعلن لاحقاً أن الولايات المتحدة ستضمن بقاء الملاحة في المضيق مجانية ودون رسوم، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت عن تنسيق إيراني عماني لإدارة حركة الملاحة مستقبلاً، بما يشمل تنظيم الخدمات والتكاليف وفق معايير دولية.
ويعتبر الكاتب أن هذه التطورات تعني عملياً أن إيران خرجت من الحرب وهي تمتلك نفوذاً أكبر على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الصراع.
إعادة إعمار إيران بمئات المليارات
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها المقال ما وصفه بالتحول الجذري في الموقف الأمريكي من مستقبل الاقتصاد الإيراني.
فبعد أن تحدثت إدارة ترامب في بداية الحرب عن تدمير القدرات الإيرانية وإضعاف النظام اقتصادياً، أصبحت - وفقاً للكاتب - تتقبل خطة لإعادة إعمار إيران قد تصل قيمتها إلى نحو 300 مليار دولار، وهو ما يعني، بحسب نيكولز، أن الحرب انتهت بإفساح المجال أمام ضخ استثمارات وأموال ضخمة في الدولة التي كانت واشنطن تسعى إلى إضعافها.
ويرى الكاتب أن هذه الأموال ستصب في نهاية المطاف في مؤسسات الدولة الإيرانية التي يهيمن عليها رجال الدين والحرس الثوري، وهو ما يتناقض مع الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية عند بدء العمليات العسكرية.
الملف النووي... مبررات بلا أدلة
ويتوقف نيكولز كذلك عند التبريرات التي استخدمها ترامب بشأن البرنامج النووي الإيراني، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي كرر القول إن طهران كانت على بعد "أسبوعين" فقط من امتلاك سلاح نووي، إلا أن الكاتب يؤكد أنه لم تُقدم أي أدلة تثبت هذا الادعاء.
ومع ذلك، يفترض المقال جدلاً صحة المخاوف الأمريكية، ليخلص إلى أن الإدارة الأمريكية أعلنت لاحقاً أنها نجحت في تدمير البرنامج النووي بالكامل، قبل أن تنتقل إلى مطالب جديدة تتعلق بالحصول على المواد النووية الإيرانية، ثم تتراجع عن هذه الطروحات أيضاً.
انتهازية سياسية
وفي ختام مقاله، يربط نيكولز هذه التحولات المتكررة بطبيعة شخصية ترامب السياسية، معتبراً أنه لا يتحرك وفق استراتيجية أو مبادئ ثابتة، وإنما وفق ما يحقق له مكاسب سياسية آنية.
ويقول إن الرئيس الأمريكي يتخلى عن الحلفاء والسياسات بالسهولة نفسها إذا رأى أنها أصبحت تمثل عبئاً عليه، معتبراً أن السياسة الخارجية الأمريكية في عهده فقدت بوصلتها، وأصبحت تتحرك من دون رؤية واضحة.

