ليس من قبيل المبالغة القول: إنَّ السياسة في مصر أصبحت من الماضي، وإنَّ الحديث فيها يشكل خطرًا على أي مواطن يتجرأ على التعبير عن وجهة نظره تجاه النظام القائم، وذلك تجنبًا لجملة من الاتهامات؛ أقلها: نشر أخبار كاذبة، كما واجه كثيرون من ذوي التوجه المعارض في مصر خلال السنوات الأخيرة. 

 

وهذا ما يفسر لماذا أصبح الناس في مصر أقل حديثًا في السياسة مقارنة بالزخم غير المسبوق الذي أعقب ثورة 25 يناير 2011؛ والتي فتحت الباب واسعًا لممارسة السياسة أمام قطاع عريض كان عازفًا عن المشاركة والانخراط فيها، وهي من الأشياء الإيجابية التي خلقتها الثورة، حيث أصبح الشعب أكثر وعيًا بحقوقه، والقدرة على التعبير دون خوف من مآلات ذلك. 

 

ويتعلق هذا بطبيعة الحال بالتحولات التي شهدتها مصر عقب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، بعد أن هيمن العسكر على السلطة بالقوة، واتخذوا موقفًا معاديًا لكل المكتسبات التي سجلتها ثورة يناير، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير. فقد باتت السياسة منذ ذلك الوقت من المحرمات التي تكلف ممارسها الزج به في غياهب السجون.
 

أسباب التراجع 


وهناك جملة من الأسباب التي يمكن حصرها عند طرح الظاهرة للتداول والنقاش، وتتمثل في: 


الإحباط وخيبة الأمل: فقد تسرب الشعور بعدم جدوى النقاش السياسي في ظل الانقلاب لدى فئات من الشباب خصوصًا، مما أدى إلى نوع من العزوف أو الانكفاء على الذات، واختار الكثيرون الابتعاد عن السياسة طوعًا أو كراهة، خوفًا من مآلاتها.


موقف النظام المعادي للسياسة: لا يؤمن نظام الانقلاب بالسياسة، حت لو تظاهر بالدعوة إلى ممارستها، وحث على الانخراط فيها، فنظام الصوت الواحد لا يقبل من يعارضه، أو يسمعه ما يغضبه، وقد اعترف قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي ذات مرة في أحد الفعاليات حين تحدث بنبرة غضب شديدة، وكأنه يريد أن يوصل رسالة: "أنا عسكري ولست سياسيًا".


تغير المشهد الإعلامي والحزبي: أدى غياب التنافسية الحزبية التقليدية القوية وتراجع دور الأحزاب في الشارع إلى تقليص مساحات النقاش السياسي العام واليومي. فقد اختارت الأحزاب الداعمة للانقلاب الوقوف في معسكره حتى النهاية، حتى لو كلفها ذلك خسارتها شعبيتها وأفقدها مصداقية كبيرة في أوساط قواعدها الجماهيرية.


إعلام الصوت الواحد: كان الإعلام في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير أكثر جرأة على مناقشة القضايا السياسية وطرح مختلف الأفكار والتوجهات دون فرض أية قيود عليه، لكن هذه الحالة توارت في أعقاب الانقلاب، وأصبح الإعلام يتحدث بصوت واحد، عناوين وقضايا متشابهة، لا تحيد ولا تخرج عن عباءة النظام.

 

محظورات في مصر 


يتجنب الموظفون، الطلاب، وأصحاب الأعمال في مصر مناقشة الموضوعات السياسية الحساسة ذات الطابع النقدي المباشر للسلطة، أو القضايا الحزبية والأيديولوجية الشائكة، وذلك تفاديًا للمساءلة القانونية أو الأضرار المهنية والأكاديمية.


ولا يخفى أن كثيرين في مختلف القطاعات الوظيفية في مصر دفعوا ثمن مواقفهم بالإقصاء والعزل من وظائفهم بدعوى الانتماء للإخوان في مرحلة ما بعد الانقلاب، وهو ما أثار مخاوف غيرهم تحسبًا لوضعهم تحت مقصلة الفصل، أو الزج بهم في السجون.

 

ويحظر القانون على موظفي الدولة ممارسة أي عمل حزبي أو سياسي أو نشر دعاية لصالح جماعات معينة داخل المكاتب الحكومية، وهو ما يمكن استغلاله لتوجيه الاتهامات لأي موظف يعرف بنشاطه السياسي.


أصحاب الأعمال والشركات: يقولون إن صاحب رأس المال "جبان"، في إشارة إلى حرصه الزائد على الحد لحماية مصالحه المالية، لذا يتجنب المستثمرون ورجل الأعمال القضايا السياسية لضمان استمرار أنشطتهم التجارية وتفادي الأزمات مع الجهات الرقابية وضمان عدم التأثير على أعمالهم.


دور المؤسسات السيادية في الاقتصاد: كما يتجنب أصحاب الأعمال تمامًا نقاش أو انتقاد منافسة شركات القوات المسلحة أو الأجهزة الحكومية للقطاع الخاص، تجنبًا للتهميش بل والملاحقة كما حصل مع رجل الأعمال محمد علي المقيم في الخارج منذ سنوات على خلفية مطالباته باستحقاقاته المالية لدى الشركات التابعة للقوات المسلحة.


انتقاد السياسات المالية والنقدية للدولة: رغم تضررهم من القرارات الخاصة بالجمارك، الضرائب، أو سعر الصرف، فإنهم يطرحون المشكلة من منظور اقتصادي فني بحت دون إضفاء أي طابع سياسي أو تحميل النظام المسؤولية.

 

خنق مناح الحرية والتعبير

 

خلقت ثورة 25 يناير 2011 أجواءً ومناخًا من الحرية غير المسبوقة في مصر، لكن بعد الانقضاض على الثورة والانقلاب على الرئيس المنتخب عادت الأمور لتصبح أكثر سوءًا مما كانت، حيث اختفت كل مظاهر حرية الرأي والتعبير في مصر الآن. 


وأصبح من الشائع تجنب النقاش السياسي في العلن، والتركيز بالكامل على الأوضاع المعيشية والاقتصادية.


علاوة على غياب شبه كامل للتظاهر في الشارع بفعل القوانين الصارمة (مثل قانون التظاهر وقانون الكيانات الإرهابية).


كما فرض النظام رقابة تقنية مشددة؛ حيث يخضع التعبير الرقمي لقوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات ونشر "الأخبار الكاذبة".

 

ووسط كل ذلك، أسس النظام شركات إعلامية لتهيمن على الفضاء الإعلامي في مصر، مع حجب مئات المواقع الإخبارية، وتراجع مصر للمرتبة 169 في مؤشر حرية الصحافة، في ظل خطاب موحد يركز على المشروعات القومية والأمن، مع فتح "هوامش محددة" للنقاش مثل جلسات الحوار الوطني والتوصيات التشريعية.