كشف تقرير الجمعية المصرية لدراسات الصحة النفسية، على مستوى الجمهورية، أن 25% من المصريين يعانون اضطرابات نفسية بدرجات مختلفة، بينما لا يحصل سوى 0.4% على الرعاية المناسبة، وكانت النتيجة منظومة علاجية شبه مغلقة أمام المحتاجين.
وفي المقابل، لا تكشف الأرقام أزمة طبية فقط، بل فضيحة حكم يختزل الإنسان في طوابير وفقر وصمت، بينما تُترك النساء والشباب والأطفال والمسنون في مواجهة الاكتئاب والعنف والإدمان بلا خدمة عامة كافية.
الصحة النفسية بميزانية الفتات
وبالتالي، يصبح نصيب المواطن من الإنفاق على الصحة النفسية، البالغ 7 جنيهات فقط عام 2020، دليلاً على أن الدولة تتعامل مع الألم النفسي كترف، لا كحق صحي مرتبط بالحياة والعمل والأسرة.
كما أن التقرير يقارن هذا الرقم بمتوسط عالمي يبلغ 120 جنيهاً، ما يفضح فجوة لا يمكن تفسيرها بندرة الموارد وحدها، بل بترتيب أولويات يهمش الصحة النفسية لصالح واجهات سياسية ودعائية.
لذلك، تبدو نسبة حصول 0.4% فقط من المحتاجين على الرعاية النفسية المناسبة رقماً صادماً، لأنها تعني عملياً أن ملايين المصريين يواجهون المرض داخل البيوت والشوارع والعمل، دون طبيب أو علاج أو حماية.
ومن ثم، فإن الاكتئاب، الذي يمثل 44% من الاضطرابات المسجلة بين المرضى المصريين، لا يعود مجرد حالة فردية، بل مرآة لاجتماع الفقر والضغط والقمع والبطالة داخل مجتمع أنهكته السنوات الأخيرة.
غير أن الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، يميز بين أعراض الحزن ومرض الاكتئاب، مؤكداً أن الاكتئاب المرضي يسبب تغيرات ومضاعفات تحتاج علاجاً، لا إنكاراً أو وصماً اجتماعياً.
علاوة على ذلك، تكشف أرقام الكوادر أن لكل 100 ألف مواطن 0.84 طبيب نفسي فقط، مقابل 1.7 عالمياً، و0.86 أخصائي نفسي مقابل 1.4، ما يجعل الخدمة نادرة قبل أن تكون مكلفة.
بناءً على ذلك، لا يمكن فصل المرض النفسي عن الاقتصاد، فكل دولار يستثمر في علاج الاكتئاب والقلق يحقق عائداً قدره 4 دولارات، بينما تدفع مصر ثمن الإهمال في الإنتاج والعلاقات والانهيار الأسري.
وفي السياق نفسه، تمثل الاضطرابات النفسية وإدمان المواد عبئاً ضخماً للأمراض غير القاتلة في شرق المتوسط، ما يعني أن ترك العلاج للفرد والأسرة وحدهما ليس تقشفاً، بل تبديد طويل الأمد للاقتصاد والمجتمع.
خرائط حرمان خارج القاهرة
ومع ذلك، لا تتوزع خدمات الصحة النفسية بعدالة، إذ تخلو محافظات مطروح والوادي الجديد وشمال وجنوب سيناء والأقصر والبحر الأحمر والسويس وقنا من خدمات متخصصة، وكأن المرض لا يسكن الأطراف.
إلى جانب ذلك، يوجد 43 عيادة خارجية للطب النفسي في المؤسسات الحكومية، بينها 16 عيادة في القاهرة الكبرى، كما توجد 26 مستشفى بحجز داخلي، 10 منها في القاهرة الكبرى وحدها.
ومن ناحية أخرى، يفضح هذا التركز خللاً سياسياً قبل أن يكون إدارياً، لأن المريض في الصعيد أو الحدود لا يملك تذكرة علاج طويلة إلى العاصمة، ولا قدرة مالية على تحمل القطاع الخاص.
لزيادة الوضوح، فإن غياب خدمات الإرشاد الأسري العام يترك البيوت وحدها أمام العنف والتفكك والضغط الاقتصادي، بينما تصبح الأسرة، التي يفترض أن تكون مساحة حماية، مكاناً لإعادة إنتاج الألم النفسي بصمت.
في المقابل، يؤكد الدكتور نبيل القط، استشاري الطب النفسي، في أحاديثه العامة عن الشباب والأسرة، أن الصحة النفسية تتأثر بعوامل اجتماعية وضغوط يومية، ما يجعل العلاج المجتمعي ضرورياً لا اختيارياً.
وعليه، فإن وجود 35 عيادة للشباب والمراهقين، 16 منها في القاهرة الكبرى، لا يوازي حجم القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وتأثير وسائل التواصل، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة إهمال هذه الفئة عالمياً.
كذلك، تكشف خدمات الأطفال كارثة أشد، فهناك 6 عيادات خارجية فقط للصحة النفسية للأطفال، و5 عيادات للتوحد كلها في القاهرة الكبرى، ما يجعل الطفل خارج العاصمة ضحية موقعه الجغرافي قبل مرضه.
ثم إن الصحة النفسية للمسنين ليست أفضل حالاً، إذ توجد 20 عيادة متخصصة، 12 منها في القاهرة الكبرى، بينما تتزايد اضطرابات الاكتئاب والقلق والخرف والاختلال المعرفي مع غياب الرعاية القريبة.
النساء والأطفال أمام العنف والصمت
فضلاً عن ذلك، تكشف زاوية النساء قسوة مضاعفة، إذ تعرضت 31% من المصريات المتزوجات بين 19 و49 عاماً لشكل من أشكال العنف الزوجي عام 2015، بما يترك ندوباً نفسية واقتصادية طويلة.
غير أن العنف ضد المرأة لا ينتهي عند الجسد، فاضطرابات كرب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق تتصدر آثار العنف، بينما تبقى عيادات المرأة المعنفة محدودة ومتمركزة غالباً داخل القاهرة الكبرى.
لذلك، ترى الدكتورة عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن العنف الأسري يرتبط ببنى اجتماعية وممارسات سلطوية داخل البيت، ما يجعل المواجهة قانونية ونفسية واجتماعية معاً.
وبالمثل، فإن تعرض 45% من المصريات لولادة صادمة، بما ارتبط بتدخلات طبية غير ضرورية وتجاهل شكاوى النساء، يعكس كيف تتحول المؤسسة الصحية أحياناً من مكان أمان إلى مصدر خوف وجرح.
كما أن احتياج ثلثي المصريات اللاتي سبق لهن الزواج إلى خدمة صحية واحدة على الأقل يضع ملف الصحة النفسية للمرأة في قلب العدالة الاجتماعية، لا في هامش الرفاهية أو الندوات الموسمية.
أما الأطفال، فتقول البيانات إن 14% منهم عالمياً يعانون اضطرابات نفسية، بينما يعاني ما لا يقل عن 75% من الأطفال اضطرابات سلوكية بأشكال مختلفة من العنف، وسط خدمات حكومية بالغة الندرة.
ومن ثم، فإن غياب خدمة طارئة متخصصة لمنع الانتحار، مع تضاعف حالات الانتحار بين 2019 و2022 بحسب الدراسات المشار إليها، يكشف أن الدولة لا تملك شبكة إنقاذ نفسية حين تبلغ الأزمة ذروتها.
وفي النهاية، لا يطلب المصريون رفاهية نفسية، بل حقاً بسيطاً في طبيب قريب، ومعلومة واضحة، وعيادة متاحة، وحماية للنساء والأطفال، بدلاً من دولة تترك الوجع يتراكم ثم تلوم الضحايا.

