كشفت صحيفة إسرائيلية عن مفارقة حساسة في مصر، حيث احتفت القاهرة بأكبر اتفاقية للطاقة الشمسية في أفريقيا بمحافظة المنيا لتغذية نحو مليون منزل، بينما تظل شبكة الكهرباء رهينة استمرار تدفق الغاز الإسرائيلي.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر بمشروع طاقة نظيفة فقط، بل بصورة دولة ترفع لافتة السيادة الخضراء، بينما يدفع المواطن ثمن عجز الغاز المحلي، وفواتير الاستيراد، واحتمالات الظلام عند كل توتر إقليمي.
كما أن طرح صحيفة يديعوت أحرونوت أعاد إلى الواجهة سؤالا محرجا عن أمن الطاقة المصري، بعدما بدا أن الاحتفاء الرسمي بالشمس يحاول تغطية حقيقة اعتماد متزايد على وقود قادم من دولة احتلال.
لذلك، يصبح مشروع المنيا الشمسي مهما لكنه غير كاف سياسيا ولا فنيا، لأن الطاقة المتجددة لا تعوض وحدها الحمل الأساسي المطلوب لتشغيل الشبكة طوال اليوم دون تخزين ضخم وقدرات غازية مستقرة.
ومن ثم، فإن الأزمة لا تكمن في بناء محطات شمسية جديدة، بل في استخدام هذه المشروعات كواجهة براقة، بينما بقيت جذور العجز مرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك وسوء إدارة الملف.
شمس المنيا لا تخفي ظل الغاز الإسرائيلي
غير أن الاتفاقية الشمسية التي روجت لها القاهرة باعتبارها الأكبر في أفريقيا تعكس طموحا مشروعا، لكنها جاءت في توقيت تستخدم فيه الصحافة الإسرائيلية المشروع لإبراز هشاشة الاعتماد المصري على الغاز المستورد.
علاوة على ذلك، قالت يديعوت أحرونوت إن المجمع المزمع إنشاؤه في المنيا قد يغذي نحو مليون منزل، لكنه لا يلغي حاجة الشبكة إلى غاز مستقر لتشغيل المحطات وقت غياب الشمس.
بناء على ذلك، تبدو الطاقة الشمسية هنا نصف القصة فقط، لأنها تنتج نهارا وتتذبذب حسب الظروف، بينما يحتاج المواطن كهرباء في الليل والصيف والذروة، وهي لحظات تكشف عجز الخطاب الدعائي.
في المقابل، تؤكد الحكومة المصرية أنها تنوع مصادر الطاقة عبر الشمس والرياح والغاز والاستيراد عند الحاجة، غير أن التنويع الحقيقي يفترض تقليل الارتهان السياسي، لا استبدال أزمة داخلية بمصدر خارجي حساس.
ثم إن أستاذ هندسة الطاقة والبترول رمضان أبو العلا ربط تراجع إنتاج الغاز المحلي بضغط الحقول وزيادة الاستهلاك، معتبرا أن جذب الاستثمارات وتطوير الحقول شرط لتجاوز الانخفاض لا مجرد إعلان مشروعات.
كذلك، يفتح رأي أبو العلا باب السؤال عن سنوات إدارة الاحتياطي، فحين يتحول البلد من طموح التصدير إلى استيراد مكلف، يصبح المواطن أمام نتيجة سياسية لا مجرد مشكلة فنية.
وفوق ذلك، فإن الحديث عن الطاقة النظيفة يصبح ناقصا إذا تجاهل أن الغاز يظل وقودا انتقاليا حاسما، وأن الفشل في تأمينه محليا يجعل أي توسع شمسي معلقا على شبكة غير مطمئنة.
أزمة الكهرباء من الحقول المتراجعة إلى سفن التغويز
من ناحية أخرى، تعود جذور أزمة الكهرباء في صيفي 2023 و2024 إلى تراجع إنتاج الغاز المحلي مع قفزة الطلب، ما دفع الدولة إلى الغاز المسال ووحدات التغويز والاعتماد الأكبر على الإمدادات الإسرائيلية.
غير أن اللجوء إلى وحدات عائمة في العين السخنة ودمياط لم يكن علامة قوة كاملة، بل اعترافا بأن البنية التقليدية لم تعد قادرة على سد الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي.
إضافة إلى ذلك، أوضحت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن مصر اتجهت لزيادة واردات الغاز المسال واستئجار وحدات إعادة تغويز إضافية في العين السخنة ودمياط لمعالجة عجز الغاز المتنامي.
كما أن المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أشار إلى أن الغاز الإسرائيلي أقل تكلفة لأنه يصل عبر خطوط أنابيب، لكنه حذر من أن توازن الإمدادات يضعف صيفا.
لزيادة وضوح الصورة، فإن انخفاض تكلفة الغاز الإسرائيلي لا يلغي كلفته السياسية، لأن الاعتماد على مورد مرتبط بحسابات حرب وتوترات إقليمية يجعل الكهرباء المصرية عرضة لقرارات خارج السيطرة الشعبية.
لذلك، عندما تعطلت إمدادات من حقول إسرائيلية خلال التوترات الإقليمية، ظهرت هشاشة المنظومة بوضوح، إذ تحدثت تقارير دولية عن تأثير الانقطاع على الصادرات إلى مصر وضغوطه على الصناعة والطاقة.
ومن ثم، فإن تسديد مستحقات شركات الطاقة الأجنبية لجذب الاستكشاف ليس تفصيلا ماليا، بل محاولة متأخرة لإعادة الثقة في قطاع يحتاج استثمارات ضخمة بعد سنوات من اختناق الإنتاج المحلي.
أمن الطاقة حين يصبح ورقة سياسية
في السياق نفسه، لا يمكن فصل الغاز عن السياسة، لأن كل متر مكعب مستورد من إسرائيل يتحول في الوعي العام إلى سؤال سيادة، خصوصا بينما تتواصل الحرب والانتهاكات بحق الفلسطينيين.
كما أن الباحث الاقتصادي وائل جمال يرى في تحليلاته للسياسات الاقتصادية أن الأزمات المصرية تكشف هشاشة نموذج يعتمد على الديون والمشروعات الكبرى دون مساءلة شعبية حقيقية حول الأولويات والبدائل.
وبالتالي، فإن أزمة الطاقة تعكس النموذج نفسه، حيث تُعلن المشروعات الكبرى بلهجة انتصار، بينما يغيب النقاش العام حول كلفة الاستيراد، وشروط التعاقد، ومخاطر ربط الكهرباء بمصدر إقليمي شديد الحساسية.
على الجانب الآخر، لا يمكن إنكار أهمية الطاقة الشمسية لمصر، لكن تحويلها إلى ستار سياسي يضعف معناها، لأن التحول الأخضر الحقيقي لا ينجح فوق شبكة مكشوفة وعجز غاز متكرر.
علاوة على ذلك، فإن المواطن الذي عانى تخفيف الأحمال لا يسأل عن صورة التوقيع فقط، بل عن استقرار الكهرباء في بيته، وعن سبب دفعه فاتورة سياسات حولت الغاز إلى نقطة ضعف.
وبناء على ذلك، فإن المطلوب ليس رفض الشمس ولا تجاهل الغاز، بل مصارحة الناس بأن أمن الطاقة يحتاج إنتاجا محليا، وتخزينا، وكفاءة استهلاك، وشفافية عقود، بعيدا عن الدعاية السياسية.
غير أن السلطة تفضل غالبا لغة الإنجاز المعلب، فتقدم مشروع المنيا كعنوان للعبور الأخضر، بينما تترك السؤال الأصعب بلا جواب: من يمسك فعليا بمفتاح الكهرباء وقت الأزمة.
كما أن الرهان على الغاز الإسرائيلي يضع القاهرة في زاوية أخلاقية وسياسية ضيقة، حيث يصبح الاستقرار الكهربائي المحلي مرتبطا بدولة يراها المصريون طرفا مباشرا في نزيف فلسطيني مستمر.
وفي النهاية، فإن شمس المنيا قد تنير مليون منزل، لكنها لن تبدد وحدها عتمة سؤال أكبر: كيف وصلت مصر إلى لحظة تحتفل فيها بالطاقة النظيفة بينما يظل أمنها الكهربائي معلقا بخط غاز إسرائيلي.

