أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، استشهاد 47 شخصاً على الأقل في لبنان خلال الساعات الماضية،، معظمهم بالجنوب، جراء غارات إسرائيلية واسعة، بينما أكدت تل أبيب مقتل 4 عسكريين، لتدخل الهدنة الوليدة اختباراً دامياً فور إعلانها.
وفي مشهد يكشف منطق الحرب لا الردع، بدت إسرائيل كأنها تستخدم الدم اللبناني ورقة ضغط على واشنطن وطهران معاً، بينما يدفع المدنيون كلفة مساومات إقليمية تُدار فوق ركام القرى والبيوت.
هدنة تولد تحت القصف
في البداية، قال مسؤول أمريكي إن إسرائيل وحزب الله وافقا على وقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ بعد ظهر الجمعة، بوساطة أمريكية قطرية ومساعدة إيرانية، بعد يوم من أعنف الاشتباكات الأخيرة.
لكن بعد ساعات قليلة، أفادت وسائل إعلام لبنانية رسمية بمقتل شخصين في ضربة إسرائيلية بمسيّرة جنوبي لبنان، ما جعل الهدنة تبدو إعلاناً دبلوماسياً هشاً أكثر من كونها وقفاً فعلياً للنار.
وبالتالي، لم تكن المشكلة في غياب الاتفاق، بل في أن إسرائيل تعاملت معه كهدنة قابلة للتفسير العسكري، فاستمرت غاراتها جنوباً رغم الإعلان الأمريكي، وحوّلت وقف النار إلى مساحة رمادية للقتل.
كما أن الجيش الإسرائيلي أعلن ضرب أكثر من 80 هدفاً لحزب الله في جنوب لبنان، مدعياً استهداف مراكز قيادة وبنى عسكرية، بينما تحدثت تقارير لبنانية عن قصف طال منازل ومناطق مأهولة.
ولزيادة التصعيد، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 4 من جنوده خلال قتال قرب كفر تبنين، بينهم قائد كتيبة مدرعة، وهو ما استغلته حكومة نتنياهو لتبرير توسيع الرد ورفع سقف التهديد.
لذلك، بدا خطاب بنيامين نتنياهو أكثر وضوحاً من أي تفاهم، إذ أكد بقاء الجيش في جنوب لبنان طالما اقتضت الضرورة، متوعداً حزب الله بثمن باهظ، ومثبتاً الاحتلال كأمر واقع.
ومن ثم، تحولت المنطقة الأمنية التي تتحدث عنها إسرائيل إلى ذريعة مفتوحة للبقاء داخل جنوب لبنان، لا إلى إجراء مؤقت، بما يضع السيادة اللبنانية أمام اختبار جديد تحت رعاية أمريكية مرتبكة.
غير أن أخطر ما كشفه التصعيد هو تصريح إيتمار بن غفير بأن لبنان كله يجب أن يحترق، وهو خطاب إبادة سياسية يفضح العقلية التي تحكم جناحاً مؤثراً داخل حكومة الاحتلال.
لبنان بين السيادة المعلقة والضغط الأمريكي
في المقابل، قال الرئيس اللبناني جوزاف عون إن وقفاً شاملاً لإطلاق النار شرط للتقدم في المحادثات مع إسرائيل، مؤكداً لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
كما وصف عون التصعيد الإسرائيلي بأنه خطير ومدان ويستهدف عملياً محاولات تثبيت وقف إطلاق النار، في موقف يعكس إدراك بيروت أن الغارات لا تنفصل عن مسار تفاوضي تريد إسرائيل هندسته بالقوة.
علاوة على ذلك، شدد روبيو على دعم حكومة لبنان والسعي إلى دولة كاملة السيادة، لكنه ربط المسار السياسي بنزع سلاح حزب الله واستعادة السيطرة على الأراضي، وهي صيغة تضغط على بيروت من جهتين.
وبناءً على ذلك، يجد لبنان نفسه محاصراً بين عدوان إسرائيلي مباشر ومطالب أمريكية ثقيلة، حيث تُطرح السيادة اللبنانية بوصفها هدفاً، لكن أدوات الوصول إليها تمر غالباً عبر شروط أمنية تخدم إسرائيل أولاً.
في هذا السياق، يرى آرون ديفيد ميلر، زميل مؤسسة كارنيغي، أن إيران تريد معادلة تمنع الضربات الاستباقية الإسرائيلية ضد حزب الله، بينما لا يبدو نتنياهو مستعداً لقبول ذلك طوعاً.
كما تشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن منطق الأمن الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر يقوم على خلق مسافة جغرافية عن أي تهديد، سواء كان واقعياً أو متوقعاً، وهو ما يفسر الإصرار على البقاء.
إضافة إلى ذلك، يرى محللون أن القتال في لبنان أصبح نقطة خلاف رئيسية في التفاوض الأمريكي الإيراني، لأن طهران تربط أي تهدئة إقليمية بوقف الهجمات، بينما تريد إسرائيل استمرار حرية الضرب.
ولذلك، لم يعد الجنوب اللبناني جبهة محلية بين إسرائيل وحزب الله فقط، بل صار ساحة اختبار لاتفاقات أكبر، تُقاس فيها حدود النفوذ الإيراني، وصبر واشنطن، وقدرة نتنياهو على تعطيل الدبلوماسية.
اتفاق طهران وواشنطن تحت ابتزاز نتنياهو
من جهة أخرى، جاء التصعيد بعد أيام من تفاهم أمريكي إيراني أولي هدفه وقف الحرب الإقليمية وفتح باب المحادثات النووية، وهو ما جعل الجبهة اللبنانية جزءاً من هندسة التهدئة الشاملة.
لكن جولة مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران في سويسرا أُرجئت الجمعة، بعد تجدد القتال في لبنان، في مؤشر واضح على أن نار الجنوب قادرة على تعطيل مسار دبلوماسي دولي.
وبحسب أكسيوس، توجه المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى سويسرا للمشاركة في محادثات محتملة مع إيران، بينما كان جاريد كوشنر موجوداً هناك، وسط ارتباك سببه التصعيد بين إسرائيل وحزب الله.
غير أن ترامب قال لشبكة إن بي سي إنه تحدث إلى إسرائيل وطلب منها الموافقة على وقف إطلاق النار، لكنه رفض الجزم بأنه تحدث مباشرة مع نتنياهو، ما يعكس حساسية الخلاف.
كما أن سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر أعلن التزام بلاده بوقف النار ما دام حزب الله ملتزماً، لكنه أكد بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وهي صيغة تفرغ التهدئة من مضمونها.
وفي قراءة المشهد، يرى خبراء أن نتنياهو لا يريد تهدئة تُقيد يده في لبنان أو تمنح إيران مكسباً تفاوضياً، بينما يسعى ترامب إلى مخرج سياسي يثبت أن تفاهمه مع طهران قابل للحياة.
لذلك، تبدو إسرائيل كأنها تختبر قدرة واشنطن على ضبط حليفها الأشد انفلاتاً، فكل غارة بعد وقف النار لا تضرب جنوب لبنان فقط، بل تضرب صدقية الوساطة الأمريكية نفسها.
وفي المحصلة، يكشف التصعيد الإسرائيلي أن لبنان لم يكن هامشاً في اتفاق واشنطن وطهران، بل قلباً ملتهباً فيه؛ فإذا بقيت إسرائيل فوق الهدنة، ستظل كل تسوية إقليمية معلقة على زناد نتنياهو.

