تجدد ملف الكلاب الضالة في مصر حضوره على الساحة العامة بعد تصريحات الدكتور مجدي حسن، نقيب الأطباء البيطريين، التي كشف خلالها عن تقديرات تشير إلى وجود ما بين 12 و15 مليون كلب ضال في مختلف محافظات الجمهورية، مؤكدًا أن هذه الأرقام تظل تقديرية وغير مستندة إلى إحصاءات رسمية صادرة عن الجهات الحكومية المختصة.
وخلال حواره في بودكاست "أسئلة حرجة"، أوضح نقيب الأطباء البيطريين أن تقدير أعداد الكلاب الضالة يعتمد على اجتهادات علمية تقريبية في ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة أو حصر رسمي شامل، مشيرًا إلى أن الرقم المتداول يتراوح بين 12 و15 مليون كلب على مستوى الجمهورية، وهو ما يعادل تقريبًا وجود كلب واحد لكل 6 مواطنين.
وأكد حسن أن هذه التقديرات تستند إلى أساليب إحصائية متعارف عليها تعتمد على دراسة عينات من مناطق مختلفة وتحليل النتائج للوصول إلى مؤشرات تقريبية، موضحًا أن مثل هذه الدراسات قد تصل نسبة دقتها إلى ما بين 80 و85% وفقًا للمعايير العلمية المستخدمة في هذا المجال.
أرقام تثير القلق
وأشار نقيب الأطباء البيطريين إلى أن حجم الظاهرة بات كبيرًا ويستدعي التعامل معه باعتباره قضية مجتمعية متشابكة الأبعاد، موضحًا أن تراكم المشكلة على مدار سنوات طويلة دون وجود استراتيجية مستدامة ساهم في زيادة أعداد الكلاب الضالة وانتشارها في العديد من المناطق السكنية والريفية.
وأضاف أن التعامل مع الملف شهد خلال فترات سابقة الاعتماد على أساليب تقليدية لم تحقق نتائج طويلة الأمد، قبل أن تتجه الجهات المعنية نحو برامج التعقيم والحد من التكاثر، إلا أن تلك الجهود لم تستمر بالوتيرة المطلوبة أو لم تُنفذ بصورة متكاملة، الأمر الذي ساهم في استمرار الأزمة واتساع نطاقها.
بين التعقيم والمكافحة.. جدل مستمر
وأوضح حسن أن ملف الكلاب الضالة ظل محل نقاش واسع بين الجهات التنفيذية والمتخصصين وجمعيات الرفق بالحيوان، حيث برزت اعتراضات على بعض أساليب المكافحة التقليدية التي كانت تُستخدم سابقًا، في مقابل الدعوات إلى تبني حلول أكثر استدامة تعتمد على التعقيم والتطعيم وإعادة التأهيل.
وأكد أن العديد من الدول المتقدمة تمكنت من الحد بشكل كبير من ظاهرة كلاب الشوارع عبر تطبيق منظومات متكاملة تشمل الرصد والتسجيل والتعقيم والتطعيم والتوعية المجتمعية، مشددًا على أن وجود أعداد ضخمة من الكلاب الضالة في الشوارع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره أمرًا طبيعيًا أو واقعًا دائمًا.
مئات الآلاف من الكلاب داخل المنازل
وفي سياق متصل، كشف نقيب الأطباء البيطريين أن التقديرات تشير إلى وجود ما بين 600 و700 ألف كلب يتم تربيتهم داخل المنازل، لافتًا إلى أن هذه الأرقام أيضًا تقديرية وليست ناتجة عن سجلات رسمية أو قاعدة بيانات معتمدة.
ويرى متخصصون أن تنامي ثقافة اقتناء الحيوانات الأليفة خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زيادة أعداد الكلاب المنزلية، إلا أن هذه الأرقام تظل محدودة مقارنة بأعداد الكلاب الضالة المنتشرة في الشوارع والمناطق المفتوحة.
أسباب متعددة وراء تفاقم الظاهرة
وحول الأسباب الرئيسية وراء تزايد أعداد الكلاب الضالة، أكد حسن أن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها مجموعة من الأسباب البيئية والخدمية والاجتماعية، في مقدمتها تراكم المخلفات وضعف منظومات النظافة في بعض المناطق، إلى جانب غياب التدخل المبكر للحد من تكاثر الحيوانات الضالة قبل وصول الأزمة إلى مستوياتها الحالية.
وأضاف أن وفرة مصادر الغذاء الناتجة عن انتشار القمامة والمخلفات في الشوارع تسهم بصورة مباشرة في جذب الكلاب الضالة وزيادة فرص بقائها وتكاثرها، وهو ما يجعل معالجة الملف مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتحسين منظومة النظافة العامة وإدارة المخلفات.
مسؤولية جماعية لا تقتصر على الطب البيطري
وشدد نقيب الأطباء البيطريين على أن تحميل جهة واحدة مسؤولية معالجة الأزمة لن يكون كافيًا لتحقيق نتائج حقيقية، موضحًا أن الملف يتطلب تنسيقًا بين عدة مؤسسات وأجهزة حكومية تعمل ضمن رؤية موحدة ومتكاملة.
وضرب مثالًا ببعض القضايا الاجتماعية المعقدة التي تحتاج إلى تدخل جهات متعددة لمعالجتها، مؤكدًا أن مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة تستدعي مشاركة قطاعات الصحة والبيئة والتنمية المحلية والنظافة العامة والتشريع، إلى جانب دور المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بالرفق بالحيوان.
دعوات لاستراتيجية وطنية مستدامة
وفي ختام تصريحاته، دعا الدكتور مجدي حسن إلى التعامل مع ملف الكلاب الضالة باعتباره قضية مجتمعية وصحية وبيئية متكاملة، تتطلب استراتيجية وطنية طويلة المدى تعتمد على أسس علمية واضحة، وتجمع بين برامج التعقيم والتطعيم وتحسين النظافة العامة وتطوير التشريعات المنظمة للتعامل مع الحيوانات الضالة.
وأكد أن الحلول المؤقتة أو الجزئية لن تكون كافية لإنهاء الأزمة، مشيرًا إلى أن الوصول إلى نتائج ملموسة يتطلب تضافر جهود جميع الجهات المعنية، بما يضمن تحقيق توازن بين حماية الصحة العامة والحفاظ على الرفق بالحيوان، وصولًا إلى معالجة جذرية ومستدامة لواحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة.

