كثف حاخام صفد شموئيل إلياهو، في القدس خلال مايو ويونيو 2026، حملة علنية تدعو رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزراءه إلى بناء كنيس داخل المسجد الأقصى، بما يحول الدعوة الدينية إلى مطلب سياسي مباشر.
وتأتي الحملة في لحظة تتراجع فيها القيود القديمة داخل الأقصى، مع توسع الصلوات والطقوس اليهودية تحت حماية الشرطة، وتزايد الضغوط على الأوقاف الإسلامية الأردنية، ما يجعل المسجد أمام محاولة تغيير ميداني لا تنتظر إعلانًا رسميًا.
حاخام صفد ينقل فكرة الكنيس إلى قلب القرار
بدأ شموئيل إلياهو حملته بمقطع مصور أمام قبة الصخرة في 14 مايو 2026، خلال ما سماه أنصاره يوم الاقتحام التعويضي لذكرى احتلال القدس العبرية، قبل أن يكرر دعوته في خطاب عام مطلع يونيو.
ثم نقل إلياهو الدعوة من مساحة الخطاب الديني إلى مساحة التحريض السياسي، حين نشر مقالًا في صحيفة ماكور ريشون يوم 4 يونيو، دعا فيه إلى إقامة كنيس في جبل الهيكل، الاسم العبري المستخدم للمسجد الأقصى.
وبحسب ما نشرته الصحيفة العبرية، استند إلياهو إلى رسائل سابقة لوالده الحاخام موردخاي إلياهو، قال فيها إن بناء كنيس في الموقع يمهد لما يصفونه ببناء المعبد، لا باعتباره خطوة منفصلة أو رمزية.
ويكشف هذا المسار أن الحاخام لا يطرح قاعة صلاة عابرة، بل يقدم الكنيس كمرحلة انتقالية داخل مشروع أوسع يستهدف تغيير هوية المكان وإعادة تعريفه وفق الرؤية الدينية القومية لتيار الهيكل.
لذلك جاءت دعوته إلى نتنياهو والوزراء باعتبارها طلبًا من السلطة التنفيذية، لا مجرد رأي فقهي، وهو ما يمنح الحملة خطورة إضافية لأنها تتحرك داخل مناخ حكومي يميني يسمح بتوسيع الاقتحامات والطقوس.
بن غفير يحول الطقوس إلى سياسة أمر واقع
بلغت الحملة ذروتها مساء 10 يونيو، حين ظهر إلياهو في حفل مشترك مع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي تفاخر بأن الوضع داخل الأقصى تغير، وأن الصلاة والسجود والرقصات والأغاني الدينية باتت مسموحة.
وخلال المناسبة نفسها، خاطب بن غفير الحاخام قائلًا إن الكنيس قريب، وفق ما تداولته منصات فلسطينية وإسرائيلية، ليبدو الوزير المسؤول عن الشرطة شريكًا مباشرًا في تحويل الدعوة الدينية إلى وعد سياسي.
وتكمن خطورة هذا التصريح في أن بن غفير لا يتحدث من خارج الدولة، بل من داخل جهاز يملك سلطة ميدانية على شرطة الاحتلال في القدس، بما يجعل كل توسع في الطقوس نتيجة قرار أمني وسياسي.
وقد وثقت تقارير دولية خلال 2025 و2026 تكرار اقتحامات بن غفير للأقصى، وإعلانه الصلاة فيه، رغم أن الوضع القائم التاريخي يسمح بزيارات غير المسلمين في أوقات محددة ويمنع صلاتهم داخل الحرم.
كما نقلت صحف دولية عن الأوقاف الإسلامية في القدس شكاوى من اعتقالات وإبعاد موظفين وأئمة وتفتيش مكاتب، وهو ما يضعف الإدارة الأردنية للموقع ويترك المجال مفتوحًا أمام شرطة الاحتلال لفرض واقع جديد.
الأوقاف تحت الضغط وخطة الإدارة المشتركة تفتح باب الانفجار
تتزامن حملة إلياهو وبن غفير مع تقارير تحدثت عن مساع أمريكية إسرائيلية لإنهاء أو تقليص الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، واستبدالها بترتيبات تجعل الموقع مركزًا متعدد الأديان تحت إدارة أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية.
ورغم أن هذه التقارير تستند إلى مصادر لم تعلن أسماءها، فإن خطورتها تأتي من تزامنها مع وقائع ميدانية ملموسة، تشمل توسيع الصلوات اليهودية، وإبعاد موظفي الأوقاف، والسماح بأوراق صلاة وطقوس جماعية داخل الموقع.
وبذلك لا تبدو الدعوة إلى بناء كنيس حدثًا منفصلًا، بل حلقة داخل مسار يبدأ بإضعاف الأوقاف الإسلامية، ثم تطبيع الصلاة اليهودية، ثم طرح منشأة دائمة، وصولًا إلى إعادة تعريف الأقصى كمكان مشترك.
وتحذر الخبرة التاريخية من أن أي تغيير في الأقصى لا يبقى محليًا، لأن المسجد يمثل مركزًا دينيًا وسياسيًا شديد الحساسية، وقد أثبتت العقود الماضية أن العبث بوضعه يشعل توترًا يتجاوز القدس.
لذلك تمثل حملة شموئيل إلياهو اختبارًا للموقف العربي والإسلامي، لأن السكوت عن تحويل الطقوس إلى بنية دائمة يفتح الباب أمام مرحلة أخطر، يكون فيها الكنيس مقدمة عملية لمشروع المعبد لا شعارًا بعيدًا.
وفي النهاية، لا تكمن خطورة تصريحات إلياهو وبن غفير في ألفاظها فقط، بل في توافقها مع تحولات أمنية وسياسية داخل الأقصى، تجعل كل اقتحام جديد خطوة في طريق فرض السيادة الإسرائيلية على مكان إسلامي خالص.

