كشفت تصريحات حكومية وتقارير اقتصادية في مصر عن انتقال رغيف الخبز المدعم من سعر 5 قروش إلى 20 قرشًا ثم إلى سيناريو 1.5 جنيه ووزن 70 جرامًا داخل منظومة الدعم النقدي، بما ينقل العبء إلى بطاقات الأسر.
وتأتي هذه النقلة بعد سنوات من خفض قيمة الأجور الحقيقي، ورفع أسعار الوقود والسلع، وتوسيع الاقتراض، لذلك لا تبدو مراجعة الدعم إجراءً فنيًا بريئًا، بل حلقة تمس وجبة يومية للفقراء قبل أن تمس حسابات الموازنة.
تاريخ السعر يكشف تفكيك الحماية لا إصلاحها
بدأت حكاية رغيف الخبز المدعم بسعر نصف قرش في سبعينيات القرن الماضي، ثم رفعت الحكومة السعر إلى قرش واحد في منتصف الثمانينيات، قبل أن يصل إلى قرشين عام 1984 و5 قروش عام 1988.
وبعد ذلك ثبتت الحكومة السعر عند 5 قروش لأكثر من 30 عامًا، لكنها لم تثبت وزن الرغيف أو جودة الخدمة، فبقي السعر واجهة اجتماعية بينما دخلت المنظومة في تعديلات صامتة مسّت الحصة الفعلية للمواطن.
ثم جاءت زيادة يونيو 2024 لتكسر أطول استقرار سعري في ملف الخبز المدعم، حين رفعت الحكومة السعر إلى 20 قرشًا، ووصفت القرار بأنه تقليص محدود لفجوة التكلفة، بينما استقبله المواطن كرسالة بأن الحماية القديمة تنسحب.
في هذا السياق، تفيد كتابات الباحثة الاقتصادية سلمى حسين بأن دعم الخبز ليس منحة هامشية، بل منفعة عامة تحمي الفقراء وقت الصدمات، لذلك يخدم رأيها محور التاريخ لأنه يربط السعر بالحق اليومي في الغذاء.
كما توضح هذه القراءة أن الحكومة لم تبدأ الإصلاح من مراجعة أولويات الإنفاق العام، بل بدأت من بند يراه ملايين المواطنين آخر سور أمام الغلاء، ولذلك تحولت القروش الصغيرة إلى مؤشر على تآكل الحماية.
وبذلك لم تعد رحلة السعر مجرد جدول زمني من نصف قرش إلى 5 قروش، لأن الزيادة الأخيرة نقلت الخبز من خانة التعهد الاجتماعي الطويل إلى خانة التسعير المتحرك تحت ضغط التكلفة.
غير أن الحكومة قدمت القرار بوصفه تصحيحًا ماليًا، مع أن الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع ظل قائمًا بعد الزيادة، وهو ما يعني أن المواطن دفع جزءًا من العجز دون أن يحصل على ضمانات مقابلة.
من 20 قرشًا إلى 1.5 جنيه وزن أقل وسعر أعلى
لاحقًا فتحت تصريحات وزير التموين وشعبة المخابز بابًا جديدًا للجدل، بعدما ظهر رقم 150 قرشًا لرغيف وزنه 70 جرامًا ضمن ترتيبات المنظومة الجديدة، مع استمرار بيع الرغيف المدعم للمواطن حاليًا بسعر 20 قرشًا.
وعلى هذا الأساس، يختلف السيناريو الجديد عن زيادة 2024 لأنه لا يغير السعر فقط، بل يغير طريقة الحساب، إذ ينتقل الرغيف من دعم عيني محدد إلى قيمة تخصم من رصيد نقدي على البطاقة.
ثم يصبح الخطر اليومي في أن الأسرة التي تحصل على 5 أرغفة للفرد ستجد نفسها أمام رصيد يتآكل مع كل زيادة لاحقة، لأن النقد يظل رقمًا ثابتًا بينما تتحرك أسعار الخبز والسلع بسرعة.
في المقابل، تعرض الحكومة التحول باعتباره حرية اختيار بين الخبز والسلع، لكن هذه الحرية تفقد معناها عندما تقف الأسرة أمام بديلين أحلاهما أقل غذاء، إما شراء الخبز أو ترك سلع أساسية أخرى.
وتدعم الباحثة نينا يوفانوفيتش، من المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء، هذا المحور حين ربطت زيادة يونيو 2024 بتآكل أمن الغذاء والتغذية لدى الأسر الفقيرة، خصوصًا مع التضخم وتراجع القدرة الشرائية.
كذلك يضيف جوزيف غلاوبر، الباحث في المعهد نفسه، وظيفة تحريرية مهمة هنا، لأن تحليله لتكلفة القمح وسعره بالجنيه يوضح أن أزمة الرغيف لا تنفصل عن تدهور العملة والاعتماد الكبير على الاستيراد.
وبسبب هذا الاعتماد، تدفع الحكومة فاتورة قمح أعلى كلما هبط الجنيه، لكنها تختار تمرير جزء من الضغط إلى المستهلك، بدلًا من الاعتراف بأن سياسة الديون وسعر الصرف خلقت كلفة اجتماعية واسعة.
ومن ثم يصبح رقم 1.5 جنيه أكثر من تسعيرة إدارية، لأنه يساوي 30 ضعف سعر 5 قروش القديم، بينما يتزامن مع وزن أقل من الرغيف الذي عرفته الأسر خلال مراحل سابقة.
غير أن تقليل الوزن إلى 70 جرامًا، إذا استقر داخل المنظومة الجديدة، سيجعل الأسرة تشتري عددًا أكبر من الأرغفة لتعويض الشبع نفسه، وبذلك تتحول الزيادة من سعر ظاهر إلى تكلفة غذاء يومية.
وبين العام المالي 2024/2025 ومشروع 2026/2027، رفعت الحكومة مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية بأرقام كبيرة، لكنها ربطت الزيادة بمنطق الاستهداف، لا بمنطق حفظ القوة الشرائية للمواطن أمام موجات الأسعار.
الدعم النقدي يحول حق الغذاء إلى رصيد قابل للنفاد
بعد ذلك تضع منظومة الدعم النقدي المواطن أمام بطاقة لا تحمل رغيفًا مضمونًا، بل تحمل مبلغًا يتغير أثره حسب السوق، وهو ما يجعل الحماية الاجتماعية مرتبطة بقرارات تسعير متلاحقة لا يتحكم فيها المستفيد.
وتقول التصورات المنشورة إن الحكومة تبحث دمج الخبز مع السلع التموينية في محفظة واحدة، بحيث يستخدم المواطن الرصيد نفسه في شراء الخبز والزيت والسكر والمكرونة، وهو تغيير يخلط الضروري بالضروري داخل سلة ضيقة.
وفي هذه النقطة، يقدم تيموثي قلدس، الخبير في الاقتصاد السياسي، زاوية حادة على العلاقة بين برامج صندوق النقد وتقليص الحماية، إذ يرى أن القروض المتكررة صاحبتها تخفيضات في نظم الحماية الشاملة وإنفاق اجتماعي أضعف.
لذلك يخدم رأي قلدس هذا العنوان الفرعي لأنه لا يناقش الرغيف كسلعة منفصلة، بل يضعه داخل مسار أوسع نقل كلفة الأزمة من الدولة إلى المواطنين عبر الضرائب والأسعار وخفض الدعم.
وبينما تتحدث الحكومة عن تنقية البطاقات ومنع التسرب، لا تقدم الأرقام المنشورة ضمانة بأن المستبعدين سيملكون طريقًا سريعًا للعودة، كما لا تحدد آلية تلقائية ترفع قيمة الدعم مع التضخم.
ثم تزداد خطورة المسار لأن الدعم النقدي يسهل خفض القيمة الحقيقية دون إعلان رفع مباشر، فالحكومة قد تترك المبلغ كما هو، بينما تواصل الأسعار الصعود، فيدفع المواطن الزيادة من غذائه لا من تصريح رسمي.
في الوقت نفسه، لا ينفي وجود هدر داخل المنظومة أن العلاج الحكومي يذهب إلى أضعف نقطة فيها، لأن الخبز يصل إلى موائد لا تملك بدائل، بينما تظل بنود إنفاق أكبر خارج المحاسبة الشعبية اليومية.
وعندما تقارن الأسرة بين 5 قروش و20 قرشًا و1.5 جنيه، فإنها لا تقرأ أرقامًا مجردة، بل تقيس قدرة مرتب يومي محدود على شراء وجبة تتكرر كل صباح ومساء داخل بيت مزدحم بالغلاء.
لذلك تبدو نهاية الخبز المدعم ليست في اختفاء الرغيف من المخبز، بل في اختفاء السعر المحمي من حياة الفقراء، لأن الرغيف سيبقى موجودًا، لكن ضمان الحصول عليه سيتحول إلى معادلة قابلة للكسر.
هكذا تتحول القصة من سياسة تموينية إلى وثيقة عن أولويات الدولة، لأن الحكومة التي تطلب من الفقير تحمل سعر الرغيف لا تعطيه حق مساءلة المسارات التي جعلت الرغيف أغلى بهذا الشكل.
وفي الخلاصة، فتحت الحكومة بابًا كان مغلقًا منذ عقود، وبدل أن تبدأ من إصلاح توزيع الثروة والإنفاق، بدأت من رغيف الفقراء، لذلك سيبقى سؤال الدعم النقدي اختبارًا قاسيًا لعدالة الحكم قبل كفاءة الإدارة.

