أعلنت الحكومة المصرية، في 11 يونيو 2026، نقل حصة من 172 محطة وقود تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وتعمل بعلامة وطنية إلى شركة كويك فيول بالشراكة مع طاقة عربية، في خطوة فتحت جدلا واسعا حول العائد والغموض.
وتزامنت الصفقة مع بيع حق استثمار وتشغيل محطة رياح جبل الزيت في البحر الأحمر بقيمة 420 مليون دولار، بينما تواجه الحكومة أزمة ديون وضغط سيولة يدفعانها إلى طرح أصول ناجحة بدلا من إصلاح أسباب العجز.
أصول رابحة على مائدة البيع
تأتي صفقة وطنية ضمن برنامج الطروحات الحكومية الذي ترفعه الحكومة عنوانا لجذب القطاع الخاص، لكنها لا تبدو مجرد توسع استثماري عادي، لأن الأصل المطروح شبكة وقود قائمة وناجحة وذات تدفقات يومية منتظمة.
في المقابل، تمثل محطة جبل الزيت أصلا إنتاجيا في قطاع الطاقة المتجددة، إذ دخلت الخدمة عام 2018 بتكلفة قاربت 570 مليون دولار، وتضم 290 توربينا بقدرة إجمالية تصل إلى 580 ميجاواط.
كما طورت الدولة محطة جبل الزيت على 3 مراحل متتابعة، إذ تضم المرحلة الأولى 120 توربينا بقدرة 240 ميجاواط، وتضم الثانية 110 توربينات بقدرة 220 ميجاواط، وتضم الثالثة 60 توربينا بقدرة 120 ميجاواط.
وبذلك لا تقارن الصفقتان بين أصلين هامشيين، بل بين شبكتين مختلفتين للعائد، الأولى تبيع الوقود في السوق المحلي، والثانية تنتج الكهرباء من الرياح في موقع استراتيجي على ساحل البحر الأحمر.
غير أن الحكومة قدمت الصفقتين باعتبارهما جزءا من إدارة الأصول، بينما يرى منتقدون أن التوقيت يكشف وظيفة أخرى للطرح، وهي تدبير موارد سريعة للخزانة وسط ضغط الديون ونقص العملة.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الاقتصاد السياسي وائل جمال إن برامج بيع الأصول التي تطرحها الحكومة تعاني غياب الشفافية وضعف وضوح آليات التنفيذ، وهو ما يجعل المواطن خارج دائرة معرفة تكلفة القرار.
لذلك تخدم قراءة جمال محور الشفافية في الصفقتين، لأن جوهر الاعتراض لا يرفض دخول القطاع الخاص، بل يرفض نقل أصول عامة رابحة من دون إعلان تقييم مستقل كامل أو منافسة واضحة أو عائد معلن.
تسعير أقل من التكلفة وسؤال العائد الغائب
أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في يونيو 2026، أن عائد صفقة جبل الزيت يبلغ 420 مليون دولار، وأن الحكومة ستوجهه إلى وزارة المالية للمساهمة في خفض الدين العام، لا إلى توسع إنتاجي جديد.
لكن الرقم أثار اعتراضا فوريا، لأن التكلفة الاستثمارية للمحطة عند إنشائها قاربت 570 مليون دولار، وهو فارق دفع ناشطين، بينهم عمرو واكد، إلى اعتبار الدولة باعت أصلا بأقل من كلفة إنشائه.
وردت الحكومة بأن ثلث العمر التشغيلي للمحطة انقضى، وأن تقييم الصفقة احتسب الإهلاك، كما قالت إن المستثمر سيتحمل إعادة تأهيل التوربينات وإطالة عمر المحطة لمدة 10 سنوات إضافية.
وأضافت الحكومة أن الدولة ستحصل على مبلغ مقدم ونسبة سنوية من الإيرادات، وأن سعر توريد الكهرباء سيكون بأقل سعر شراء للطاقة جرى الاتفاق عليه في مصر، بحسب الرواية الرسمية للصفقة.
مع ذلك، لا يزيل هذا الرد جوهر المشكلة، لأن الحكومة لم تنشر تقرير التقييم الكامل، ولم تشرح للناس كيف تحولت محطة دفعت فيها الدولة مئات الملايين إلى أصل يجري توظيف عائده لسداد الدين.
أما في صفقة وطنية، فجاء الغموض أكبر، إذ أعلنت الحكومة نقل حصة من 172 محطة إلى كويك فيول، مع استحواذ طاقة عربية على 10% وإمكانية رفع الحصة إلى 25% عند الطرح في البورصة.
ولم تعلن الحكومة قيمة الصفقة، ولم تنشر الأسس التي جرى بناء عليها تقدير قيمة المحطات، كما لم توضح مصير العائد ولا حجم ما سيدخل الخزانة العامة من عملية إعادة التنظيم والهيكلة.
وهنا تظهر وظيفة رأي الباحث الاقتصادي محمد رمضان، الذي يربط تسريع بيع الأصول برسائل الالتزام أمام صندوق النقد وتقليص حضور الدولة في الاقتصاد، بما يجعل التوقيت جزءا من ضغوط التمويل لا نتيجة تخطيط طبيعي.
وبناء على هذه القراءة، تبدو صفقة وطنية أكثر إشكالا من جبل الزيت، لأن الحكومة قدمت في ملف الرياح بعض المبررات المالية، بينما تركت ملف محطات الوقود بلا رقم بيع واضح ولا كشف تفصيلي.
تعارض مصالح يضاعف أزمة وطنية
تكشف صفقة وطنية عن طبقة إضافية من الغموض، لأن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يمتلك حصة في طاقة عربية نفسها، بينما يظل طرفا في الكيان الجديد كويك فيول بعد نقل حصة المحطات.
وأشار المحلل محمد ياسر كفافي إلى أن جهاز الخدمة الوطنية يمتلك نحو 20% من طاقة عربية، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا حول معنى البيع عندما يكون البائع شريكا في المشتري بصورة غير مباشرة.
ولا يتوقف الأمر عند الملكية المتشابكة، لأن طاقة عربية ستتولى إدارة وتشغيل الشبكة بالكامل، بما يمنحها موقعا تنفيذيا مؤثرا في أصل كان تابعا لجهاز حكومي عسكري ويعمل تحت علامة تجارية واسعة الانتشار.
ومن ثم يصبح السؤال الحاكم في الصفقة ليس فقط كم دفعت طاقة عربية، بل كيف اختيرت الشركة، ومن قيم المحطات، ومن راقب التفاوض، وهل حصلت الدولة على أفضل سعر ممكن لأصل قائم.
في المقارنة نفسها، تبدو جبل الزيت أقل تعقيدا من جهة الملكية، لكنها أكثر حساسية من جهة السعر، لأن الحكومة أعلنت قيمة 420 مليون دولار في مقابل تكلفة إنشاء أعلى وعمر إنتاجي لا يزال قائما.
بينما تكشف وطنية أزمة حوكمة أعمق، إذ تختلط فيها ملكية جهاز الخدمة الوطنية بحصة في طاقة عربية وحصة في كويك فيول، ثم تغيب قيمة الصفقة عن الرأي العام في لحظة اقتصادية حساسة.
ويخدم رأي زياد بهاء الدين هذا المحور، لأنه دعا سابقا إلى وثيقة أوضح لدور الدولة في الاقتصاد، تقوم على سياسة عامة ومبادئ منافسة سليمة لا على نسب تخارج جامدة أو صفقات منفردة.
وبهذا المعنى، لا تكفي عبارة تشجيع القطاع الخاص لتبرير الصفقة، لأن مشاركة القطاع الخاص تحتاج قواعد إفصاح ومنافسة تمنع تحويل برنامج الطروحات إلى باب مغلق لنقل الأصول بين أطراف متداخلة المصالح.
كما تزامنت الصفقتان مع إعلان مصر تصفير مستحقات شركات البترول والغاز الأجنبية، بعد مديونية بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، وهو تزامن يعزز سؤال استخدام عوائد البيع في سداد التزامات عاجلة.
ولا يعني سداد المستحقات الأجنبية مشكلة في ذاته، لكنه يصبح مثيرا للقلق عندما يتزامن مع بيع أصول تدر دخلا، لأن الدولة تسدد التزاما متراكما عبر التخلي عن مصادر دخل كان يمكن تطويرها.
على مستوى الأثر العام، لا تشرح الحكومة للمواطن كيف سيعود بيع محطة رياح أو نقل محطات وقود على الأسعار والخدمة والدين، ولا توضح كيف ستمنع تكرار بيع الأصول الرابحة عند كل أزمة سيولة.
لذلك تكشف الصفقتان نمطا واحدا بأدوات مختلفة، حيث تبيع الحكومة أو تنقل حق إدارة أصول ناجحة، ثم تطلب من الجمهور الثقة في التقييم من دون نشر البيانات التي تسمح بمراجعة القرار.
وفي النهاية، لا تبدو صفقتا وطنية وجبل الزيت مجرد بندين في برنامج الطروحات، بل اختبارا لطريقة إدارة المال العام في لحظة أزمة، لأن الحكومة تختار سداد الدين اليوم وتترك سؤال العائد غدا بلا إجابة.

