حذر الدكتور نادر نور الدين، الخبير الدولي في الغذاء والحبوب، نواب البرلمان في القاهرة من مطالبتهم بتدخل الدولة لرفع سعر البيض، بعد تراجع كرتونة البيض في المزارع إلى نحو 65 جنيهًا.

 

وقال نور الدين إن المنتجين دخلوا السوق بزيادة 30% طمعًا في ربحية البيض من دون دراسة، معتبرًا أن تحميل الدولة والمواطنين نتيجة سوء تقدير المنتجين يكشف انحيازًا سياسيًا ضد المستهلك محدود الدخل.

 

 

طلب إحاطة يحول انخفاض السعر إلى أزمة برلمانية

 

بدأ الجدل بعدما تقدمت النائبة سحر عتمان بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس النواب ووزير الزراعة، بشأن ما وصفته بضرورة إنقاذ صناعة الدواجن من خسائر انخفاض أسعار بيض المائدة.

 

وبحسب الطلب، قالت عتمان إن سعر كرتونة البيض في المزارع وصل إلى نحو 65 جنيهًا، واعتبرت أن هذا المستوى يهدد المربين بخسائر فادحة ويضع صناعة الدواجن أمام أزمة تسويقية.

 

غير أن نور الدين رد على هذا الطرح بسؤال مباشر للنواب، وقال ما ذنب الدولة في دخول 30% زيادة من المنتجين إلى السوق طمعًا في ربحية البيض من دون دراسة مسبقة.

 

ثم وسع نور الدين اعتراضه، وربط طلب رفع سعر البيض بصمت البرلمان عن أزمات زراعية سابقة ضربت مزارعين كثيرين، حين انهارت أسعار البصل والثوم والبطاطس والفراولة والطماطم في الموسم الماضي.

 

كما ذكّر نور الدين النواب بأن أسعار البصل والثوم وصلت إلى 3 جنيهات على الأرض، بينما واجه مزارعون خسائر قاسية في محاصيل الخضروات والموالح، من دون تحرك برلماني مماثل.

 

وفي السياق نفسه، سأل نور الدين أعضاء البرلمان عن سبب عدم تدخلهم عندما وصلت كرتونة البيض سابقًا إلى 200 جنيه، وعندما سجلت الدواجن في رمضان الماضي مستويات وصفها بالفلكية.

 

وبذلك وضع الخبير الغذائي النقاش في مساره المباشر، فالقضية لا تتعلق بإنقاذ صناعة فقط، بل بسؤال أكثر إلحاحًا عن الجهة التي يدافع عنها البرلمان عندما يرفض انخفاض سعر سلعة أساسية.

 

وتعزز هذه المفارقة غضب المستهلكين، لأن البرلمان الذي يرفع خطاب الحماية عند خسارة المنتجين، يتجنب غالبًا مساءلة الحكومة عندما يدفع المواطن ثمن الغلاء في الغذاء والطاقة والخدمات.

 

 

فائض 4 مليارات بيضة يكشف فشل التسويق لا ذنب المستهلك

 

أقرت النائبة سحر عتمان بأن الدولة حققت خلال السنوات الأخيرة اكتفاءً ذاتيًا من بيض المائدة، إذ يبلغ حجم الإنتاج السنوي نحو 16 مليار بيضة، مع فائض يقدر بنحو 4 مليارات بيضة.

 

لكن هذا الرقم الذي قدمته النائبة لدعم طلبها يكشف جوهر الأزمة، لأن السوق لا يعاني نقصًا في البيض، بل يعاني ضعفًا في إدارة الفائض والتسويق الداخلي والخارجي.

 

لذلك يصبح طلب رفع السعر على المواطنين معالجة معكوسة، لأن المنتجين وسلاسل التوزيع يحتاجون إلى آليات تصريف وتصدير وتخزين وتعاقدات عادلة، لا إلى قرار سياسي يحمّل الأسر ثمن فائض الإنتاج.

 

ومن هذه الزاوية، تخدم قراءة الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني محور العدالة الاجتماعية، إذ ربط في كتاباته بين سياسات الحكومة الاقتصادية وتدهور مستوى معيشة المصريين وانحياز القرارات لأصحاب المصالح.

 

كما أن حديث الميرغني عن تآكل الدعم مع التضخم يضع أزمة البيض داخل إطار أوسع، فالمستهلك لا يملك رفاهية قبول رفع سلعة غذائية رخيصة بعد سنوات من ضغط الأسعار.

 

وعليه، فإن البرلمان كان يستطيع مطالبة الحكومة بشراء جزء من الفائض للمؤسسات العامة أو دعم التصدير أو فتح منافذ مباشرة، بدل تحويل انخفاض السعر إلى مشكلة تستدعي رفع العبء على الناس.

 

كذلك يظهر غياب التخطيط حين يدخل منتجون جدد بنسبة 30% إلى السوق من دون قراءة كافية للتشبع، ثم يطلب بعض النواب من الدولة إنقاذ هامش الربح عبر جيوب المستهلكين.

 

وبهذا المعنى، لا تمثل كرتونة البيض مجرد سلعة غذائية، بل اختبارًا لطريقة إدارة الحكومة للأسواق حين تختار بين حماية دخل الأسر أو حماية أرباح المنتجين بعد قرارات إنتاج غير محسوبة.

 

 

البرلمان يصمت عند الغلاء ويتحرك عند الرخص

 

طرح نور الدين سؤالًا سياسيًا واضحًا عندما قال للنواب عايزين تجاملوا مين بالضبط، لأن التحرك البرلماني جاء عند انخفاض السعر، بينما غابت الحدة نفسها عند ارتفاع البيض والدواجن سابقًا.

 

وبحسب الوقائع التي أشار إليها، لم يتحرك النواب بالقوة ذاتها حين صرخ الفلاحون من انخفاض أسعار المحاصيل وارتفاع تكاليف الزراعة والأسمدة والمبيدات والتقاوي والعمالة وإيجار الأرض الزراعية.

 

ثم أعاد نور الدين التذكير بأزمة الأسمدة، وقال إن صوت النواب لم يظهر فيها إلا على استحياء، رغم أن تكلفة السماد تدخل مباشرة في أسعار الغذاء وخسائر الفلاحين.

 

وتدعم رؤية خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس هذا المحور، لأنه انتقد في مداخلات اقتصادية متكررة تضارب القرارات الحكومية ودورها في صناعة أزمات الأسعار بدل ضبطها لمصلحة المستهلك.

 

كما أن انتقادات النحاس لسياسات السوق تجعل مطالبة البرلمان برفع البيض جزءًا من نمط أوسع، حيث تتحرك الدولة أحيانًا لضبط السعر صعودًا أو هبوطًا وفق موازين نفوذ غير معلنة.

 

وبالتالي تبدو الحكومة مطالبة بموقف واضح، فإما أن تعلن سياسة عادلة لحماية المنتج والمستهلك معًا، أو تترك السوق لقوى الضغط التي لا تظهر إلا عندما يهبط السعر لصالح المواطن.

 

غير أن العبء لا يقع على الحكومة وحدها، لأن البرلمان يملك أدوات رقابية كان يمكن توجيهها لمساءلة وزارة الزراعة عن خطط التسويق، ومساءلة الأجهزة الرقابية عن حلقات الوساطة وهوامش الربح.

 

وفي النهاية، تكشف أزمة البيض أن السلطة التشريعية تتعامل مع انخفاض سعر سلعة أساسية كخطر يستحق طلب إحاطة، بينما يتحمل المواطن وحده موجات الغلاء من دون حماية جدية أو مساءلة حقيقية.