إبراهيم فريحات
أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا
تقوم الحكمة السائدة (Conventional Wisdom) في تحليلات سياسية كثيرة على افتراض بسيط: إذا كان دونالد ترامب سيوقّع اتفاقًا نوويًا جديدًا مع إيران، فلا بدّ أن يكون اتفاقًا أفضل من الذي وقّعه باراك أوباما عام 2015. فترامب، سياسيًا ونفسيًا، لا يستطيع أن يقبل ما يبدو أقلّ ممّا حصل عليه أوباما، خصوصًا أنّه بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على مهاجمة ذلك الاتفاق واعتباره "أسوأ اتفاق" أبرمته الولايات المتحدة. لكنّ هذا الافتراض، على وجاهته السياسية الظاهرية، يتجاهل قاعدةً أساسيةً في علم التفاوض. فالاتفاقات لا تعكس رغبات القادة أو حاجتهم إلى تسجيل انتصارات سياسية فحسب، بل تعكس قبل كلّ شيء موازين القوى القائمة لحظة التفاوض. ولذلك؛ السؤال الأكثر أهميةً ليس: ماذا يريد ترامب؟ بل: ما الذي تسمح له موازين القوى بالحصول عليه؟
من هنا، تبدو المقارنة أقلّ ميلًا لصالح ترامب ممّا تفترضه الحكمة السائدة. فالولايات المتحدة التي فاوضت إيران في عهد أوباما كانت تمتلك أدوات ضغط متعدّدة ومتكاملة: تهديد عسكريّ فعّال لم يُستهلك، وتحالف دولي واسع، وإجماع أميركيّ - أوروبيّ نسبيّ، وعقوبات اقتصادية مؤثّرة ضمن بيئة دولية أكثر استقرارًا. أمّا ترامب، فيدخل التفاوض في ظروف أكثر تعقيدًا وربّما من موقع أضعف، رغم ارتفاع منسوب الخطاب العسكري.
أولًا، في ميزان القوّة العسكرية، تكمن فعالية القوّة غالبًا في التهديد باستخدامها أكثر ممّا تكمن في استخدامها الفعلي. احتفظ أوباما بالخيار العسكري أداةَ ردعٍ وضغط من دون أن يستنزفه في حرب مفتوحة. أمّا ترامب، فإنّ استخدامه القوّة العسكرية ضدّ إيران قد يكون قد أضعف القيمة التفاوضية لهذه الورقة بدلًا من تعزيزها. فالقوة عندما تُستخدم ولا تحقّق أهدافها السياسية الكُبرى تكشف حدودها أكثر ممّا تعزّز هيبتها.
في الحالة الإيرانية، إذا كان الهدف الأقصى إسقاط النظام، أو فرض استسلام سياسي واضح، فإنّ عدم تحقّق هذا يمنح طهران فرصةً للقول إنّ واشنطن استخدمت أقصى أدواتها ولم تنجح في فرض إرادتها. وعندما يقتنع الطرف المقابل بأنّه استطاع الصمود أمام الضغوط العسكرية المباشرة، يصبح أقلّ استعدادًا لتقديم تنازلات جوهرية على طاولة المفاوضات. وثانيًا، الحلفاء عنصر أساسي في موازين التفاوض. فالقوّة لا تُقاس بما تمتلكه الدولة منفردةً حتّى في المجال العسكري فحسب، بل أيضًا بقدرتها على حشد الآخرين خلف أهدافها. دخل أوباما مفاوضات 2015 مدعومًا بتحالف دولي واسع تمثّل في مجموعة دول 5+1، وبتنسيق وثيق مع الحلفاء الأوروبيين الذين شاركوا في العقوبات وفي العملية التفاوضية نفسها. هذا التوافق الدولي منح واشنطن ثقلًا إضافيًا، وجعل إيران تواجه جبهةً دوليةً موحّدةً نسبيًا. أمّا ترامب، فيبدو أكثر عزلة. لم تنخرط أوروبا معه في الحرب، ولم توفّر له الغطاء السياسي الذي حظي به أوباما، بل إنّ علاقته المتوتّرة مع حلفاء أوروبيين خلال السنوات الماضية جعلت من الصعب إعادة بناء جبهة غربية موحّدة. وفي وقتٍ كان فيه أوباما يقود تحالفًا دوليًا واسعًا، يبدو ترامب أقرب إلى الاعتماد على إسرائيل وحدها. والمفارقة أنّ جزءًا مهمًّا من الرأي العام الدولي، بل وحتّى الأميركي، ينظر إلى نتنياهو باعتباره أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت نحو هذا التصعيد، الأمر الذي يجعل التحالف مع إسرائيل أقلّ قدرةً على توفير الشرعية الدولية التي احتاجتها الولايات المتحدة تاريخيًا في مفاوضات كُبرى من هذا النوع.
ثالثًا، يمنح الاقتصاد العالمي إيران اليوم ورقة ضغط لم تكن حاضرةً بالقوّة نفسها في زمن أوباما. فقد أظهرت الأزمة أخيرًا أنّ مضيق هرمز ليس مجرّد ممرّ مائي، بل أداة استراتيجية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي بأسره. ويمكن القول إنّ إيران اكتشفت أنّ سيطرتها على أحد أكثر شرايين الطاقة أهمّيةً في العالم توفّر لها نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا قد يفوقان أحيانًا ما وفّره لها برنامجها النووي نفسه. فعندما ترتفع أسعار النفط وتتأثّر سلاسل الإمداد العالمية وتزداد الضغوط التضخمية، لا تصبح الأزمة شأنًا خارجيًا فحسب، بل تتحوّل قضية داخلية أميركية تمسّ المواطن مباشرة. بمعنى آخر، تستطيع إيران من خلال التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة أن ترفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأيّ مواجهة طويلة. وهذه معطيات لم يكن أوباما مضطرًا للتعامل معها بالدرجة نفسها عندما فاوض إيران قبل أكثر من عقد.
إلى جانب هذه العوامل الثلاثة، هناك عامل الزمن السياسي، ولا يقل أهمية، فأوباما تفاوض مع إيران في نهاية ولايته الثانية وهو يسعى إلى بناء إرث سياسي طويل الأمد. أمّا ترامب فيفاوض في ظلّ استقطاب داخلي حادّ وضغوط انتخابية وحزبية مستمرّة. وهذا يخلق مفارقةً مهمّةً: فحاجة ترامب السياسية إلى إعلان انتصار سريع قد تكون أكبر من حاجة إيران نفسها إلى الوصول إلى اتفاق سريع، الأمر الذي يمنح طهران هامشًا إضافيًا للمناورة.
إذًا، عند العودة إلى معيار موازين القوى، يصبح من الصعب فهم كيف يمكن لترامب أن يحقّق اتفاقًا أفضل جوهريًا من اتفاق أوباما، وهو يفاوض من موقع أقلّ تماسكًا: قوّة عسكرية استُخدمت وانكشفت حدودها، حلفاء أقلّ التزامًا، اقتصاد عالمي أكثر هشاشةً أمام اضطرابات الطاقة، وضغوط سياسية داخلية أكبر.
قد لا يكون الحلّ في حصول ترامب على اتفاق أفضل جوهريًا، بل في إخراج الاتفاق بصورة تبدو أفضل سياسيًا وإعلاميًا. وهذا ما يُعرف في أدبيات التفاوض بمخارج "حفظ ماء الوجه" (Face Saving). فقد يتضمّن الاتفاق الجديد بنودًا تبدو أكثر صرامة، مثل تمديد فترات التقييد النووي، أو تعزيز آليات الرقابة والتفتيش، أو شروط أصعب وتدرّج طويل في فكّ الأرصدة المالية لإيران، أو حتّى منح الشركات الأميركية دورًا اقتصاديًا أكبر في الاستفادة من أيّ انفتاح اقتصادي مستقبلي مع إيران. الفروق الجوهرية التي كان يطمح ترامب بتحقيقها، بالمقارنة مع اتفاق أوباما، كانت تقوم على معادلة "صفر نووي"، وتفكيك البرنامج النووي الإيراني على طريقة "النموذج الليبي"، وحتّى إسقاط النظام، وهو الهدف الذي شنّت من أجله هذه الحرب بالتعاون مع إسرائيل. هذه الفروق الجوهرية عن اتفاق أوباما يبدو أنّها تبخّرت أو تبخّر جزءٌ كبيرٌ منها، وربّما سيواجه ترامب خيار "تجرّع كأس السمّ" (كما قال الخميني عندما وافق على قرار وقف الحرب مع العراق)، هذه المرّة، بقبول اتفاق لا يختلف جوهريًا عمّا توصّل إليه غريمه أوباما. وعندها، هل ينجح ترامب في تسويق اتفاق مشابه لاتفاق أوباما، أو ربّما أقلّ من حيث المضمون الاستراتيجي، أمام الرأي العام الأميركي وكأنّه انتصار أكبر؟

